كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 5)
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره الله بإطعامهم إلَّا بإيصال ذلك إليهم، ولو اجتهد في إيصاله إليهم لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه، وعلى من بسط الله يده أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإِيصال إلى الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك، كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإِيجار يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية، وحمل لحومها إلى الفقراء في أماكنهم، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى، وفجاج مكة، ونحو ذلك من الطرق المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها.
واعلم: أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلي بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل. والعلم عند الله تعالى.
ومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديًا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
وأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج، أي: في حالة التلبس بإحرام الحج؛ لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج، وذلك بالإِحرام. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحج أشهره، واستدل بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ولا دليل في الآية عندي؛ لأن الكلام على حذف مضاف، أي: من زمن الحج أشهر معلومات؛ وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإِعراب إذا ما حذفا