كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 7)
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن القرآن العظيم يكثر فيه جدًّا إطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع، يريد بذلك تعظيم نفسه، ولا يريد بذلك تعددًا ولا أن معه غيره، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)}.
فصيغة الجمع في قوله: {إِنَّا}، وفي قوله: {نَحْنُ}، وفي قوله: {نَزَّلْنَا}، وقوله: {حَافِظُونَ (٥)}، لا يراد بها أن معه منزلًا للذكر، وحافظًا له غيره تعالى، بل هو وحده المنزل له والحافظ له.
وكذلك قوله تعالى: {أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)}، وقوله: {أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)}، وقوله: {أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)}، ونحو هذا كثير في القرآن جدًّا.
وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله: {أَنَّا}، وفي قوله: {خَلَقْنَا}، وفي قوله: {عَمِلَتْ أَيدِينَا} إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلًا.
وإذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد، علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في قوله: {أَيدِينَا} لمجرد التعظيم.
وما كان كذلك لا يدل على التعدد، فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حُكِم بذلك، كالآيات المتقدمة، وإن دل على معنى آخر حُكِم به.
فقوله مثلًا: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد، وكذلك قوله: {أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)}، {أَمْ نَحْنُ