كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 7)
وكإنكاره - صلى الله عليه وسلم - على الذين أفتوا صاحب الشجة بأنهم لم يجدوا له رخصة وهو يقدر على الماء.
وقد قدمنا قصته، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيهم: "قتلوه قتلهم الله" الحديث.
والظاهر أنهم استندوا في فتواهم لما فهموه من قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، وغفلوا عن قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} الآية، وأمثال هذا كثيرة.
وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)} قائلين: إن الآية أوجبت قبول إنذارهم، وأن ذلك تقليد لهم، فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأن الإِنذار في قوله {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} لا يكون برأي، وإنما يكون بالوحي خاصة، وقد حصر تعالى الإِنذار في الوحي بأداة الحصر التي هي (إنما) في قوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ}.
وبه تعلم أن الإِنذار لا يقوم إلا بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أُنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير.
فمما لا شك فيه أن هذا الإِنذار المذكور في قوله: {وَلِيُنْذِرُوا}، والتحذير من مخالفته في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)} ليس برأي ولا اجتهاد، وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين، وصار ينذر بما علمه من الدين، كما يدل عليه قوله تعالى قبله: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}، فهو يدل على أن قوله: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} أي بما تفقهوا فيه من الدين.