كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 7)

فلو أخبرك مثلًا عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، بأن أخاك الغائب لم يزل غائبًا ولم يأت منزله، لأنهم كانوا بمنزله وليس بموجود، ثم أخبرك بعد ذلك رجل واحد بأن أخاك موجود في منزله الآن. فهل يسوغ لك أن تقول له: كذبت؛ لأني أخبرني عدد كثير قبلك أنه لم يأت؟
ولو قلت له ذلك، لقال لك: هم في وقت إخبارهم لك صادقون، ولكن أخاك جاء بعد ذلك.
فالمتواتر في وقت نزوله صادق، وخبر الآحاد الوارد بعده صادق أيضًا، لأنه أفاد تجدد شيء لم يكن.
فحصر المحرمات مثلًا في الأربع المذكورة في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً} الآية، صادق ذلك الوقت، لا يوجد محرم على طاعم يطعمه إلا تلك المحرمات الأربع.
فلا تحرم في ذلك الوقت الحمر الأهلية ولا ذو الناب من السباع ولا الخمر ولا غير ذلك.
فإذا جاء بعدُ خبر آحاد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم لحوم الحمر
الأهلية بخيبر، فهل يسوغ لقائل أن يقول: هذا الخبر الصحيح مردود، لأنه يعارض حصر المحرمات في الأربع المذكورة في آية: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآية؟
ولو قال ذلك لقيل له:
هذا الخبر الصحيح لا تناقضه الآية، لأنه أفاد حكمًا جديدًا طارئًا لم يكن مشروعًا من قبل، وأحكام الشريعة تتجدد شيئًا فشيئًا.

الصفحة 592