كتاب أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
وهذا يدلُّ على أنها إلى رأي الأمام، ولولا ذلك لكانت على قدرٍ واحدٍ في جميع المواضع، ولم يجُزْ أن تختلف.
وقال البخاري (¬١): قال ابن عيينة: عن ابن أبي نَجيحٍ قلت لمجاهدٍ: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: جُعل ذلك من أجل اليسار.
وقد زادها عمر أيضًا على ثمانيةٍ وأربعين فصيَّرها خمسين درهمًا (¬٢).
واحتجَّ الشافعي (¬٣) رحمه الله تعالى بأن الواجب دينارٌ على الغني والفقير والمتوسط بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدَّرها بذلك في حديث معاذٍ - رضي الله عنه -، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، ولم يُفرِّق بين غني وفقيرٍ، ولا (¬٤) جعلهم ثلاث طبقاتٍ، وسنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ أن تُتَّبع من اجتهاد عمر.
ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا: لا منافاةَ بين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ما فعله عمر - رضي الله عنه -، بل هو من سنته أيضًا. وقد قرنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سنته وسنة خلفائه في الاتباع (¬٥)، فما سنَّه خلفاؤه فهو كسنَّتِه في الاتباع. وهذا
---------------
(¬١) في "صحيحه" (كتاب الجزية) وقد تقدم.
(¬٢) أخرجه أبو عبيد (١٠٨) ــ وعنه ابن زنجويه (١٥٩) ــ وأبو القاسم البغوي في "مسند ابن الجعد" (١٤٨) والبيهقي في "الكبير" (٩/ ١٩٦).
(¬٣) انظر: "الأم" (٥/ ٤٢٥ وما بعدها)، و"المغني" (١٣/ ٢١١).
(¬٤) "لا" ساقطة من المطبوع.
(¬٥) في حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وغيرهما، وصححه الترمذي وابن حبان (٥) والحاكم (١/ ٩٥).