كتاب أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
منهما بالآخر. وقد قال هذا غير واحدٍ من أهل العلم قبله وبعده (¬١).
وأحسن ما فسِّرت به الآية قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه»، فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقرُّوا به= هو الفطرة التي فطروا عليها، لأنَّه سبحانه احتجَّ عليهم بذلك، وهو لا يحتجُّ عليهم بما لا يعرفه أحدٌ منهم ولا يذكره، بل بما يشتركون (¬٢) في معرفته والإقرار به.
وأيضًا، فإنَّه قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ} ولم يقل: من آدم. ثم قال: {ظُهُورِهِمْ} ولم يقل: من ظهرهم. ثم قال: {ذُرِّيَّاتِهِمْ} ولم يقل: ذريته.
ثم قال: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، وهذا يقتضي إقرارَهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة. وهذا إنَّما هو الإقرار الذي احتجَّ به عليهم على ألسنة رسله كقوله تعالى: {قَالَتْ رُسْلُهُمْ أَفِي اِللَّهِ شَكّ} [إبراهيم: ١٣]، وقولِه (¬٣): {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللَّهُ} [الزخرف: ٨٧]،: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللَّهُ} [لقمان: ٢٤]،: {قُل لِّمَنِ اِلْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٥) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: ٨٥ - ٨٦]، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ؛ يحتج عليهم بما فُطِروا عليه من
---------------
(¬١) ممن حمل الحديث على الآية: الحسن البصري كما عند الطبري (١٠/ ٥٥١)، وحماد بن سلمة كما عند أبي داود (٤٧١٦).
(¬٢) رسمه في الأصل: «يشركون»، ولعل المثبت الصواب.
(¬٣) في الأصل: «وقولهم»، خطأ.