كتاب أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وهذا يتضمَّن إثباتَ علمه وقدره السابق، وأنَّ الخلق يصيرون إليه لا محالة. وكون هذا مراد الآية غير متعيِّنٍ، فإنَّ الآية اقتضت حكمين:
أحدهما: أنَّه يُعيدهم كما بدأهم، على عادة القرآن في الاستدلال على المعاد بالبَدْأة.
والثاني: أنَّه سبحانه هدى فريقًا وأضلَّ فريقًا، فالأمر كلُّه له: بدؤهم وإعادتهم، وهداية من هدى منهم، وإضلال من أضلَّ منهم؛ وليس في شركائهم مَن يفعل شيئًا من ذلك.
وأمَّا أمر الملك بكَتْب شقاوة العبد وسعادته في بطن أمِّه، وقوله: الشقي من شقي في بطن أمه (¬١) = فحقٌّ لا يُخالِف فيه أحدٌ من أهل السنة، بل قد اتفقت كلمتهم وكلمة الصحابة قبلَهم على ذلك.
وأمَّا حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في الغلام الذي قتله الخَضِر أنَّه طبع يوم طبع كافرًا (¬٢)، فمثل ذلك سواءً. «وكافرًا» حالٌ مقدَّرةٌ لا مقارنةٌ، أي طبع مقدَّرًا كفرُه، وإلا فهو في حال كونه جنينًا وطفلًا لا يعقل كفرًا ولا إيمانًا.
فإن قيل: فإذا كان هكذا فلِمَ قتله الخَضِر؟ فالجواب ما قاله لموسى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: ٨١]، فالله تعالى أمره بقتل ذلك الغلام لمصلحةٍ، وأَمَر رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بالكفِّ عن قتل النساء والذرية لمصلحةٍ، فكان في كلٍّ مِن أمرَيه (¬٣) مصلحةٌ وحكمةٌ ورحمةٌ يشهدها أولو الألباب.
---------------
(¬١) هو قول ابن مسعود، وقد سبق قريبًا.
(¬٢) أخرجه مسلم، وقد تقدم.
(¬٣) في المطبوع: «في كل ما أمر به»، خلاف الأصل.