كتاب أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وقد روي في أرض مصر أنَّها فُتِحت صُلحًا، وروي أنَّها فتحت عَنوةً، وكلا الأمرين صحيح على ما ذكره العلماء المتأمِّلون (¬١) للروايات الصحيحة في هذا الباب، فإنَّها فتحت أولًا صُلحًا ثم نقَضَ أهلُها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - يستمِدُّه، فأمدَّه بجيشٍ كثيرٍ فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوةً (¬٢). ولهذا روي من وجوهٍ كثيرةٍ أنَّ الزبير سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أن يقسمها بين الجيش (¬٣)، كما سأله بلالٌ قَسْم الشام (¬٤)، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يَحبِسها فيئًا للمسلمين ينتفعُ بفائدتها أوَّلُ المسلمين وآخرُهم (¬٥)، ثم وافق عمرَ على ذلك بعضُ مَن كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقرَّ الأمر على ذلك.
فما فتحه المسلمون عَنوةً فقد ملَّكهم الله إياه (¬٦)، كما ملَّكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعَقار. ويدخل في العقار معابدُ الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول
---------------
(¬١) في المطبوع: «المتأهلون»، تصحيف.
(¬٢) انظر: «الأموال» لأبي عبيد (١/ ٢٤٤ - ٢٤٦)، و «فتوح مصر» لابن عبد الحكم (ص ٦١)، و «فتوح البلدان» للبلاذري (١/ ٢٤٩).
(¬٣) أخرجه أحمد (١٤٢٤) وأبو عُبيد (١٥١، ١٥٦) والبيهقي (٦/ ٣١٨) وغيرهم.
(¬٤) أخرجه أبو عبيد (١٥٤) والبيهقي (٦/ ٣١٨).
(¬٥) أخرجه أبو عُبيد (١٥٨) وابن زنجويه (١٥٨) والبيهقي (٩/ ١٣٤) بذكر مشورة علي. ومشورة معاذ عند أبي عُبيد (١٥٩، ١٦٠) وعنه ابن زنجويه (٢٣١، ٢٣٢).
(¬٦) هذا خبر «ما فتحه المسلمون» الذي في مطلع الإجابة، وأُعيد هنا لطول الفصل.