كتاب أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
أهل الحلقة والحصون، ومنهم (¬١) حلفاء للحيَّين جميعًا الأوسِ والخزرج، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشركًا، فكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أذًى شديدًا، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل الله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اِلْأُمُورِ} [آل عمران: ١٨٦]، وفيهم أنزل الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ اِلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} الآية [البقرة: ١٠٨].
فلما أبى ابنُ الأشرف أن ينزع (¬٢) عن أذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأذى المسلمين، وقد بلغ منهم، فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدرٍ بقتل المشركين وأَسْرِ من أُسِر منهم، فرأى الأسارى مقرَّنين كُبِت وذلَّ، ثم قال لقومه: ويلكم! واللهِ لَبطن الأرض خيرٌ لكم من ظهرها اليوم، هؤلاء سَراة الناس قد قُتِلوا وأُسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. فقال: وما أنتم وقد وطئ قومَه وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريشٍ فأحضها وأبكي قتلاها، لعلهم ينتدبون فأخرج معهم، [فخرج] حتى قدم مكة ووضع رحله عند أبي وداعة بن صُبَيرة السهمي (¬٣) وتحته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فجعل يرثي قريشًا ــ وذكر ما رثاهم به من الشعر، وما أجابه حسانٌ. [قال: ودعا
---------------
(¬١) في الأصل: «ومن»، تصحيف.
(¬٢) في الأصل: «يدع»، تصحيف.
(¬٣) كذا في رواية الواقدي. وسبق عند ابن إسحاق أنه نزل على ابنه «المطلب بن أبي وداعة السَّهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية».