كتاب آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

كان وجهه تعالى كذلك، فإذا كان هذا هو المستقرّ في لغة العرب وجب إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به سبحانه فهو وصفٌ زائدٌ على الذات المجرَّدة (¬١).
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - عند دخوله للمسجد يقول: «أعوذ بالله العظيم, وبوجهه الكريم, وسلطانه القديم, من الشيطان الرجيم» (¬٢).
فالنَّبي - صلى الله عليه وسلم - استعاذ بالذات مرَّة وبالوجه مرَّة، قال ابن القيم - رحمه الله -: "فتأمَّل كيف فرَّق في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم، وهذا صريحٌ في إبطال قول من قال: إنه الذَّاتُ نفسها" (¬٣).
وحمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإنَّ اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أنَّ الجزاء يُسمَّى وجهًا للمجازي.
وحمل الوجه في الآية {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (¬٤) على الجهة والقبلة، إمَّا أن يكون هو ظاهر الآية أو يكون خلاف ظاهرها، ويكون المراد بالوجه وجه الله حقيقة; لأنَّ الوجه إنَّما يراد به الجهة والقبلة إذا جاء مطلقًا غير مضافٍ إلى الله تعالى، وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: "لكن الصحيح أنَّ المراد بالوجه هنا وجه الله الحقيقي؛ أي إلى أي جهة تتوجَّهون، فثمَّ وجه الله - سبحانه وتعالى -؛ لأنَّ الله محيطٌ بكلِّ شيء، ولأنَّه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المصلِّي إذا قام
---------------
(¬١) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة ٣/ ٩٩٨.
(¬٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مما يقوله الرجل عند دخوله المسجد ١/ ١٥٧، رقم ٤٦٦، وقال الحافظ بن حجر: حديثٌ حسن، بسند جيِّد. ينظر: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار ١/ ٢٧٤، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤٤١).
(¬٣) مختصر الصواعق ٣/ ١٠١٠.
(¬٤) سورة البقرة: ١١٥.

الصفحة 282