كتاب آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

أما لبس المرقعات فليس من لبس السَّلف، بل كان السَّلف يرقعون ضرورة، وما يشتهر به المتصوفة من هذا اللباس فليس من الزهد في شيء، بل أمرنا الله - عز وجل - بإظهار النعمة، فقال في محكم التنزيل: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (¬١)، (¬٢).
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البذاذة من الإيمان» (¬٣)، وبيَّن معناه الطحاوي بقوله: "أي: أنها من سيما أهل الإيمان، إذ معهم الزُّهد، والتواضع، وترك التكبُّر، كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم قبلهم في مثل ذلك" (¬٤).
وكان أحب الثياب إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أن يلبسها: الحِبَرَة (¬٥).
قال ابن بطال - رحمه الله -: "حِبَرَة. البرود هي: برود اليمن تصنع من قطن، وهى الحبرات يشتمل بها، وهى كانت أشرف الثياب عندهم، ألا ترى أنه - عليه السلام - سُجِّي بها حين تُوفِّي، ولو كان عندهم أفضل من البرود شيءٌ لسُجِّي به، وفيه جواز لباس رفيع الثياب للصالحين وذلك داخل في معنى قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (¬٦)، (¬٧).
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: "ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لبس الصوف وبما روي في فضيلة لبس الصوف، فأمَّا لبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصوف
---------------
(¬١) سورة الضحى: ١١.
(¬٢) ينظر: تلبيس إبليس، ص ٢٣٤.
(¬٣) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، ٤/ ٣٩٣، رقم ٤١٦١، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب من لا يؤبه له، ٥/ ٥٦٢، رقم ٤١١٨، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٩٥، وفي الصحيحة، رقم ٣٤١.
(¬٤) شرح مشكل الآثار ٤/ ١٩٣.
(¬٥) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك، كتاب اللباس، باب البرود والحبر والشملة، ٤/ ٥٩، رقم ٥٨١٢.
(¬٦) سورة الأعراف: ٣٢.
(¬٧) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ٩/ ٩٩.

الصفحة 696