كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

الْأُولَى: رُوِيَ أَنَّ زَكَرِيَّا قَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، خَالَتُهَا عِنْدِي. وَقَالَ بَنُو إسْرَائِيلَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا، بِنْتُ عَالِمِنَا، فَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا بِالْأَقْلَامِ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَلَمِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْأَقْلَامَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، فَمَنْ وَقَفَ قَلَمُهُ وَلَمْ يَجْرِ فِي الْمَاءِ فَهُوَ صَاحِبُهَا. قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَجَرَتْ الْأَقْلَامُ وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» كَانَتْ آيَةً؛ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ تَجْرِي الْآيَاتُ عَلَى يَدِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَكْفُلُهَا حَتَّى كَانَ عَامُ مَجَاعَةٍ فَعَجَزَ وَأَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتَرِعُوا، فَاقْتَرَعُوا، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِمْ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَنَّهَا لَمَّا نَذَرَتْهَا لِلَّهِ تَخَلَّتْ عَنْهَا حِينَ بَلَغَتْ السَّعْيَ، وَاسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا بُدٌّ مِنْ قَيِّمٍ، إذْ لَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا بِنَفْسِهَا، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَكَانَ مَا كَانَ.

[مَسْأَلَةٌ مَشْرُوعِيَّة الْقُرْعَةُ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْقُرْعَةُ أَصْلٌ فِي شَرِيعَتِنَا؛ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا»، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَرَهُ مَالِكٌ شَرْعًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ دِينٌ وَمِنْهَاجٌ لَا يَتَعَدَّى، وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سِتَّةً فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً».

الصفحة 358

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text