كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ أَرَادَ الْبَالِغَةَ لَمَا نَهَى عَنْ حَطِّهَا عَنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَخْتَارُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ إجْمَاعًا. قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ذَاتَ وَصِيٍّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى اسْتِظْهَارِ الْوَلِيِّ عَلَيْهَا بِالرُّجُولِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ، فَيَسْتَضْعِفُهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَيَتَزَوَّجُهَا بِمَا شَاءَ، وَلَا يُمَكِّنُهَا خِلَافَهُ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْحَقِّ الْوَافِرِ. وَقَدْ وَفَرَّنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّلْخِيصِ، وَرَوَيْنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْمُوَطَّأِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا».
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَلَا إذْنَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: «زَوَّجَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ بِنْتَ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَجَاءَ الْمُغِيرَةُ إلَى أُمِّهَا فَرَغَّبَهَا فِي الْمَالِ فَرَغِبَتْ، فَقَالَ قُدَامَةُ: أَنَا عَمُّهَا وَوَصِيُّ أَبِيهَا، زَوَّجْتُهَا مِمَّنْ أَعْرِفُ فَضْلَهُ. فَتَرَافَعُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا». قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: تُحْمَلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَيْسَ لِلصَّغِيرَةِ إذْنٌ. وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي الْجَوَابِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، أَقْوَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْيُتْمِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْبَالِغَةَ لَا يُزَوِّجُهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهَا. .

الصفحة 406

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text