كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

اللَّاتِي لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا، وَالْيَتِيمَةُ الصَّغِيرَةُ، وَالْمَنْكُوحَةُ عِنْدَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَالْمَنْكُوحَةُ عِنْدَ الْخُطْبَةِ بَعْدَ التَّرَاكُنِ. فَأَمَّا السَّبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُنَّ فَدَلِيلُهُنَّ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْمُلَاعَنَةُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ تَحْرِيمُهَا مُؤَبَّدًا فَإِنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَلَّ لَهُ رَجْعَتُهَا، وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ طَلَاقٌ؛ لِأَجْلِ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِلَفْظِ الزَّوْجِ كَالطَّلَاقِ، مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْحَاكِمِ كَطَلَاقِ الْعِنِّينِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ أَوْجَبَهُ اللِّعَانُ، فَزَالَ بِالتَّكْذِيبِ؛ فَنُفِيَ بِلِعَانِهِ وَيَعُودُ بِتَكْذِيبِهِ. وَالنُّكْتَةُ الْعُظْمَى لَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَوْجَبَ حُرْمَةً لَأَوْجَدَ مَحْرَمِيَّةً كَالرِّضَاعِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَعَانِي لَهُمْ، وَالنَّظَائِرُ وَالْأُصُولُ مَعَهُمْ، وَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ إلَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ. لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَكَ. إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا». وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ النَّظَرُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مُحَرَّمًا قَبْلَ حِلِّهِ فَحَرَّمَهُ أَبَدًا؛ كَالْقَاتِلِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَالْمُسْتَبْرَأَة مُعْتَدَّةٌ، الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ، وَالْمَحِلُّ وَاحِدٌ، وَالسَّبَبُ وَاحِدٌ؛ فَلَمَّا اتَّحَدَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالْحَامِلُ أَوْقَعُ، وَالدَّلِيلُ فِيهَا الْجَمْعُ، وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا قُرْآنِيَّةً، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكَةُ، وَالْأَمَتَانِ تَأْتِيَانِ مُبَيِّنَتَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا أَمَةُ الِابْنِ فَكُلُّ مُحَرَّمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَإِنَّ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، فَدَخَلَ فِيهِ تَحْرِيمُ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَأَمَةُ الِابْنِ مِنْ حَلَائِلِ الِابْنِ لَفْظًا، أَوْ مَعْنًى وَلَفْظًا، أَوْ مَعْنًى مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، وَالْكُلُّ فِي اقْتِضَاءِ التَّحْرِيمِ دَرَجَاتٌ، وَلَهُ مُقْتَضَيَاتٌ؛ وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ دَخَلَ فِيهِ الْجَمْعُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِمَا بَيَّنَّاهُ.

الصفحة 495

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text