كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

[مَسْأَلَة اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 33]: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَتَارَةً قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 6] يَعْنِي تُؤْتُوهُمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ جَمِيلًا وَإِحْسَانًا فِي الثُّلُثِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. وَتَارَةً قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ حَالَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ، فَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيَّ، وَالْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ فَلَا تَوَاخِيَ بَيْنَ أَحَدٍ الْيَوْمَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ الْأَبْنَاءَ، فَرَدَّ اللَّهُ الْمِيرَاثَ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْعَصَبَةِ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَقَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ بَيَانًا بِمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُرْهَانًا قَالَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} [النساء: 33] قَالَ: وَرَثَةٌ، {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 33] فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} [النساء: 33] نُسِخَتْ. ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوَصَّى لَهُ، وَهَذَا غَايَةٌ لَيْسَ لَهَا مَطْلَبٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حُكْمُ الْآيَةِ بَاقٍ مَنْ يَرِثُ بِهِ وَبِالِاشْتِرَاكِ فِي الدُّيُونِ لِاشْتِرَاكِهِمَا عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ، وَهَذَا بَابٌ قَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَاهُنَا مَعْنَى الْآيَةِ، وَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهَا مَعْنًى.

الصفحة 529

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text