كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ فَأَمَّا فِي الْأَقْوَالِ فَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] فَإِنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحِمِ الْمُطْلَقَةِ، وَحَقَّ الْقَرَابَةِ الْخَاصَّةِ؛ إذْ أَنْتَ جُزْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ أَصْلُكَ الَّذِي أَوْجَدَكَ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِكَ حَالَ ضَعْفِكَ وَعَجْزِكَ عَنْ نَفْسِكَ.
وَقَدْ «عَرَضَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْت تُرِيدُ النِّسَاءَ الْبِيضَ وَالنُّوقَ الْأُدْمَ فَعَلَيْكَ بِبَنِي مُدْلِجٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنَعَ مِنِّي سَبْيَ بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمْ الرَّحِمَ». وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ: أَنَّ يُوسُفَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ فَلَمْ يَقُمْ لَهُمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَا أَخْرَجْت مِنْ صُلْبِكَ نَبِيًّا، فَلَا نَبِيَّ فِيهِمْ مِنْ عَقِبِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»؛ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ؛ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ». وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَخَذَ الْوَالِدُ الْهِبَةَ مِنْ الْوَلَدِ أَغْضَبَهُ فَعَقَّهُ، وَمَا أَدَّى إلَى الْمَعْصِيَةِ فَمَعْصِيَةٌ. قُلْنَا: أَمَّا إذَا عَصَى أُخِذَ بِالشَّرْعِ فَلَا لَعًا لَهُ وَلَا عُذْرَ، إنَّمَا يَكُونُ الْعُذْرُ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَوْ عَصَى اللَّهَ فِيهِ.

الصفحة 545

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text