كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

يَثُوبُ إلَيْهِ، أَيْ يَرْجِعُ؛ وَتَصْغِيرُ هَذِهِ ثُوَيْبَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَحْذُوفُ الْوَاوِ، وَثُبَةُ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ ثَبَّيْتُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَجَمَعْتُ مَحَاسِنَ ذِكْرِهِ، فَيَعُودُ إلَى الِاجْتِمَاعِ.

[مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى خُذُوا حِذْرَكُمْ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]: أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَقْتَحِمُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ عَلَى جَهَالَةٍ حَتَّى يَتَحَسَّسُوا إلَى مَا عِنْدَهُمْ، وَيَعْلَمُوا كَيْفَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَلِكَ أَثْبَتُ لِلنُّفُوسِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ.

[مَسْأَلَةُ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّاسَ بِالْجِهَادِ سَرَايَا مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُجْتَمِعِينَ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّاسَ بِالْجِهَادِ سَرَايَا مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُجْتَمَعِينَ عَلَى الْأَمِيرِ، فَإِنْ خَرَجَتْ السَّرَايَا فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ؛ لِيَكُونَ مُتَحَسِّسًا إلَيْهِمْ وَعَضُدًا مِنْ وَرَائِهِمْ، وَرُبَّمَا احْتَاجُوا إلَى دَرْئِهِ.

[الْآيَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74] سَوَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا أَوْ انْقَلَبَ غَانِمًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ الْأَجْرَ فِي مَحَلٍّ وَالْغَنِيمَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ.
وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا سَرِيَّةٍ أَخْفَقَتْ كَمُلَ لَهَا الْأَجْرُ، وَأَيُّمَا سَرِيَّةٍ غَنِمَتْ ذَهَبَ ثُلُثَا أَجْرِهَا».

الصفحة 581

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text