كتاب أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (اسم الجزء: 1)

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: رَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَشِفَ الْهَيْئَةِ، فَصَعَّدَ فِي النَّظَرِ وَصَوَّبَهُ فَقَالَ: هَلْ لَك مِنْ مَالٍ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قُلْت: مِنْ كُلِّ الْمَالِ آتَانِي اللَّهُ فَأَكْثَرَ وَأَطْيَبَ؛ الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ وَالرَّقِيقُ وَالْغَنَمُ. قَالَ: فَإِذَا آتَاك اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْك. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تُنْتِجُ إبِلُ قَوْمِك صِحَاحًا آذَانُهَا فَتَعْمِدُ إلَى الْمَوْسِيِّ فَتَشُقُّ آذَانَهَا، فَتَقُولَ: هَذِهِ بَحْرٌ؛ وَتَشُقَّ جُلُودَهَا، وَتَقُولَ: هَذِهِ صُرُمٌ لِتُحَرِّمَهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلِك؟ قَالَ: قُلْت: أَجَلْ. قَالَ: فَكُلُّ مَا أَتَاك اللَّهُ حِلٌّ وَمُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ، وَسَاعِدُهُ أَشَدُّ الْحَدِيثَ».
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَمَّا كَانَ مِنْ إبْلِيسَ مَا كَانَ مِنْ الِامْتِنَاع مِنْ السُّجُودِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآمِرِ بِهِ بِالتَّسْفِيهِ أَنْفَذَ اللَّهُ فِيهِ حُكْمَهُ وَأَحَقَّ عَلَيْهِ لَعَنَتْهُ، فَسَأَلَهُ النَّظْرَةَ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا زِيَادَةً فِي لَعْنَتِهِ، فَقَالَ لِرَبِّهِ: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 118] {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] وَكَانَ مَا أَرَادَ، وَفَعَلَتْ الْعَرَبُ مَا وَعَدَ بِهِ الشَّيْطَانُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَتَحْرِيمٌ، وَتَحْلِيلٌ بِالطُّغْيَانِ، وَقَوْلٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ، وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، فَلِذَلِكَ رَأَى الشَّيْطَانُ أَنْ يُغَيِّرَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَرْكَبُ عَلَى ذَلِكَ التَّغْيِيرِ الْكُفْرُ بِهِ، لَا جَرَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ»، مَعْنَاهُ أَنْ تُلْحَظَ الْأُذُنُ؛ لِئَلَّا تَكُونَ مَقْطُوعَةً أَوْ مَشْقُوقَةً؛ فَتُجْتَنَبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الشَّيْطَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ»، وَهِيَ هَذِهِ، وَشَبَّهَهَا

الصفحة 629

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text