كتاب الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

فاتَّخَذَتا هناك عُشًّا جعل على أبصار الطالبين غِشاوةً (¬١) ، وهذا أبلغُ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود.
فلمَّا وقف القومُ على رؤوسهم، وصار كلامُهم بسَمْعِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصِّدِّيق؛ قال الصِّدِّيقُ وقد اشتدَّ به القلقُ: يا رسول الله! لَو أنَّ أحدَهم نظرَ إلى ما تحتَ قدميه لأبصَرنَا تحتَ قدمَيْهِ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا بكر! ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهُما؟ " (¬٢) .
لما رأى الرسول حزنَه قد اشتدَّ -لكن لا على نفسه- قَوَّى قلبَه ببشارة {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: ٤٠]، فظهَر سِرُّ هذا الاقترانِ في المعيَّة لفظًا كما ظهر حكمًا ومعنى؛ إذ يُقالُ: رسول الله وصاحبُ رسول الله، فلما مات قيل: خليفةُ رسولِ الله، ثمَّ انقطعتْ إضافةُ الخلافةِ بموته، فقيل: أميرُ المؤمنين (¬٣) .
فأقاما في الغار ثلاثًا، ثم خرجا منه ولسانُ القدرِ يقولُ: لتدخُلنَّها دُخولًا لم يَدْخُله أحدٌ قبلك ولا ينبغي لأحدٍ من بعدك.
فلما استقلَّا على البيداء لَحِقَهما سُراقةُ بن مالك، فلما شارفَ الظفَر أرسل عليه الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- سهمًا من سِهام الدُّعاء، فساخَتْ قوائمُ فرسِه في الأرض إلى بطنها (¬٤) ، فلما علم أنه لا سبيلَ له عليهما أخذ
---------------
(¬١) الخبر الوارد في ذلك لا يصح، وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٢٩) والبزار في مسنده (كما في مجمع الزوائد ٦/ ٥٦) والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٤٤٣). قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٨١): غريب جدا.
(¬٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٣) ومسلم (٢٣٨١) عن أبي بكر.
(¬٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٧٩).
(¬٤) أخرجه البخاري (٣٩٠٨) ومسلم (٢٠٠٩) عن البراء بن عازب).

الصفحة 102