كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 2)

( قُلْت ) : وَكَيْفَ عِبْتَ أَنْ حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ , وَلَمْ يَحْكُمَا فِي مَالِهِ فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ حُكْمِ الْمَوْتَى , وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَيِّتٍ , وَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا بِيَقِينٍ , وَحَكَمْتَ أَنْتَ عَلَيْهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ حُكْمَ الْمَوْتَى فِي كُلِّ شَيْءٍ بِرَأْيِك ثُمَّ قُلْتَ فِيهِ قَوْلاً مُتَنَاقِضًا.
قال : فَقَالَ أَلاَ تَرَانِي لَوْ أَخَذْتُهُ فَقَتَلْتُهُ ( قُلْت ) : وَقَدْ تَأْخُذُهُ فَلاَ تَقْتُلُهُ بِأَخْذِهِ مُبَرْسَمًا أَوْ أَخْرَسَ فَلاَ تَقْتُلُهُ حَتَّى يُفِيقَ فَتَسْتَتِيبَهُ قَالَ نَعَمْ.
قال : وَقُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كُنْت إذَا أَخَذْتَهُ قَتَلْتَهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى , وَأَنْتَ لَمْ تَأْخُذْهُ وَلَمْ تَقْتُلْهُ , وَقَدْ تَأْخُذُهُ , وَلاَ تَقْتُلُهُ بِأَنْ يَتُوبَ بَعْدَمَا تَأْخُذُهُ , وَقَبْلَ تَغَيُّرِ حَالِهِ بِالْخَرَسِ ؟.
قال : فَإِنِّي أَقُولُ إذَا ارْتَدَّ , وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَيِّتٍ.
قال : فَقُلْتُ لَهُ أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَيِّتٌ يَحْيَا بِغَيْرِ خَبَرٍ ؟ فَإِنْ جَازَ هَذَا لَك جَازَ لِغَيْرِك مِثْلُهُ ثُمَّ كَانَ لِأَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ.
قال : وَمَا ذَلِكَ لَهُمْ ( قُلْت ) : وَلِمَ ؟.
قال : لِأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولُوا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ أَثَرٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ مَعْقُولٍ , وَلاَ يَقُولُونَ بِمَا يَعْرِفُ النَّاسُ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ أَثَرٌ , وَلاَ يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يُخَالَفَ ( قُلْت ) : هَذَا سُنَّةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ( قُلْت ) : فَقَدْ قُلْت بِخِلاَفِ الْكِتَابِ , وَالْقِيَاسِ , وَالْمَعْقُولِ.
قال : فَأَيْنَ خَالَفْتُ الْقِيَاسَ ؟ ( قُلْت ) : أَرَأَيْتَ حِينَ زَعَمْت أَنَّ عَلَيْك إذَا ارْتَدَّ , وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمَوْتَى , وَأَنَّك لاَ تَرُدُّ الْحُكْمَ إذَا جَاءَ لِأَنَّك إذَا حَكَمْت بِهِ لَزِمَك إنْ جَاءَتْ سُنَّةٌ فَتَرَكْتَهُ لَمْ تَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَشْرَ سِنِينَ حَتَّى جَاءَ تَائِبًا ثُمَّ طَلَبَ مِنْك مَنْ كُنْت تَحْكُمُ فِي مَالِهِ حُكْمَ الْمَوْتَى أَنْ تُسَلِّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ , وَقَالَ قَدْ لَزِمَك أَنْ تُعْطِيَنَا هَذَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ ؟ قَالَ : وَلاَ أُعْطِيهِمْ ذَلِكَ , وَهُوَ أَحَقُّ بِمَالِهِ@

الصفحة 580