كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 3)

الْغُرْمِ , فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ أَحْبَبْت أَنْ يَتَوَلَّى دَفْعَهُ عَنْهُ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَعْطَاهُ جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ سَهْمِهِ , فَإِنْ قَالَ : وَلِمَ لاَ أُعْطَى بِمَعْنَيَيْنِ إذَا كُنْت مِنْ أَهْلِهِمَا مَعًا ؟ قِيلَ الْفَقِيرُ الْمِسْكِينُ وَالْمِسْكِينُ فَقِيرٌ بِحَالٍ يَجْمَعُهُمَا اسْمٌ وَيَفْتَرِقُ بِهِمَا اسْمٌ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى ذَلِكَ الْمِسْكِينُ فَيُعْطَى الْفَقِيرُ بِالْمَسْكَنَةِ مَعَ الْفَقْرِ وَالْمِسْكِينُ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ , وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أَحَدُهُمَا إلَّا بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ , وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ ذُو سَهْمٍ إلَّا بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ , لَوْ جَازَ هَذَا , جَازَ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ بِفَقْرٍ وَغُرْمٍ وَبِأَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ , وَغَازٍ وَمُؤَلَّفٌ وَعَامِلٌ , فَيُعْطَى بِهَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ مِنْ دَلاَلَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَقْرِ يَلْزَمُ الْمِسْكِينَ ؟ وَالْمَسْكَنَةُ تَلْزَمُ الْفَقِيرَ ؟ قِيلَ : نَعَمْ . مَعْنَى الْفَقْرِ مَعْنَى الْمَسْكَنَةِ , وَمَعْنَى الْمَسْكَنَةِ مَعْنَى الْفَقْرِ , فَإِذَا جُمِعَا مَعًا , لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حَالَيْهِمَا بِأَنْ يَكُونَ الْفَقِيرُ الَّذِي بُدِئَ بِهِ أَشَدَّهُمَا , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللِّسَانِ , وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ فَقِيرٌ مِسْكِينٌ وَمِسْكِينٌ فَقِيرٌ , وَإِنَّمَا الْمَسْكَنَةُ وَالْفَقْرُ لاَ يَكُونَانِ بِحِرْفَةٍ وَلاَ مَالٍ .
قَسْمُ الصَّدَقَاتِ الثَّانِي
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ لاَ يَسَعُ أَهْلَ الْأَمْوَالِ حَبْسُهُ عَمَّنْ أُمِرُوا بِدَفْعِهِ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ , أَوْ وُلاَتِهِ , وَلاَ يَسَعُ الْوُلاَةَ تَرْكُهُ لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى أَخْذِهِ لِأَهْلِهِ مِنْهُمْ , قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاَتَك سَكَنٌ لَهُمْ } . فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ لَيْسَ لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ مَنْعُ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ وَلاَ لِمَنْ وَلِيَهُمْ تَرْكُ ذَلِكَ لَهُمْ , وَلاَ عَلَيْهِمْ@

الصفحة 205