كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 3)
الطَّعَامِ أَوْ زَكَاةِ الذَّهَبِ أَوْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ ؟ أَلَيْسَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الَّذِي عَلَيْك فِي مَالِك إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ لِغَيْرِك فَلاَ يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ تَرْكُهُ لَك وَلاَ لَك حَبْسُهُ إنْ تَرَكَهُ لَك السُّلْطَانُ عَمَّنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ ؟ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَسْت أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الرِّكَازِ وَلَوْ جَازَ هَذَا فِي الرِّكَازِ جَازَ فِي جَمِيعِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَدَعَهُ لَهُ فَيَبْطُلُ حَقٌّ مِنْ قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ : إنَّا رَوَيْنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ أَوْ خَمْسَةَ آلاَفٍ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه : " لاََقْضِيَنَّ فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا , أَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَلَكَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ " ثُمَّ قَالَ : " وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْك " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا إذْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ رَجُلٍ شَيْئًا ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَدَعُهُ لَهُ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ لَوْ مَنَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا لَهُمْ فِي مَالِهِ أَنْ يُجَاهِدَهُ عَلَيْهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا عَنْ عَلِيٍّ مُسْتَنْكَرٌ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ أَنَّهُ قَالَ " أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لَك وَاقْسِمْ الْخُمْسَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِك " وَهَذَا الْحَدِيثُ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ لَعَلَّ عَلِيًّا عَلِمَهُ أَمِينًا وَعَلِمَ فِي أَهْلِهِ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ فِيهِمْ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يُعْطِيَهُ وَلاَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ السُّهْمَانِ الْمَقْسُومَةِ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ مِنْ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا وَاَلَّذِي زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ لَهُ خُمْسَ رِكَازِهِ , وَهَذَا رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ سِوَاهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْوَالِيَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ وَاجِبًا فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَعُودَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَلاَ عَلَى أَحَدٍ وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَوْ وَلِيَهَا هُوَ دُونَ الْوَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا وَلاَ دَفْعُهَا إلَى أَحَدٍ يَعُولُهُ .@
الصفحة 230