كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 3)

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَبَيْنَ الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ ؟ قِيلَ الْفَرَائِضُ عَلَى الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ زَائِلَةٌ فِي مُدَّتِهَا كُلِّهَا , وَالْفَرَائِضُ عَلَى الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ الْعَاقِلِ عَلَى بَدَنِهِ غَيْرُ زَائِلَةٍ فِي مُدَّتِهِ , وَلَوْ حَجَّ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ لاَ يُجْزِي عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ لاَ يَعْقِلُ عَامِلُهُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ? لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } وَلَوْ حَجَّ الْعَاقِلُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَرَضِ أَجْزَأَ عَنْهُ , وَلَوْ كَانَ بُلُوغُهُمَا فِي عَامِ جَدْبٍ الْأَغْلَبُ فِيهِ عَلَى النَّاسِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ بِالْعَطَشِ فِي سَفَرِ أَهْلِ نَاحِيَةٍ هُمَا فِيهَا , أَوْ لَمْ يَكُنْ مَا لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ عَلَفٍ مَوْجُودٍ فِيهِ , أَوْ فِي خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ لاَ يَقْوَى جَمَاعَةٌ حَاجٌّ مِصْرُهُمَا عَلَيْهِ أَوْ اللُّصُوصُ كَذَلِكَ , أَشْبَهَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَرَادَ فِيهِ الْحَجَّ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لَهُ , فَيَكُونُ غَيْرَ لاَزِمٍ لَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ , فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ الْحَجُّ بِتَغَيُّرِ هَذَا , لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ , وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ أَوَّلَ مَا بَلَغَ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَنَحَرَ وَحَلَّ دُونَ مَكَّةَ وَرَجَعَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَجُّ حَتَّى يَمُوتَ , لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ , وَلَوْ كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ الْحَائِلِ فِي الْبِرِّ , وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ , فَيَكُونُ لَهُ طَرِيقًا , أَحْبَبْت لَهُ ذَلِكَ , وَلاَ يَبِينُ لِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ ; لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ , وَلَوْ بَلَغَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى عُقُولِهِمَا فَلَمْ يُفِيقَا فَتَأْتِي عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَعْقِلاَنِ فِيهَا وَيُمْكِنُهُمَا الْحَجُّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا , وَإِذَا بَلَغَا مَعًا فَمَنَعَا الْحَجَّ بِعَدُوٍّ حَائِلٍ بَيْنَ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا مَعًا وَبَيْنَ الْحَجِّ , ثُمَّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمَا مُدَّةُ وَقْتِ الْحَجِّ , يَقْدِرَانِ هُمَا وَلاَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا فِيهِ عَلَى الْحَجِّ , فَلاَ حَجَّ عَلَيْهِمَا يُقْضَى عَنْهُمَا إنْ مَاتَا قَبْلَ تَمَكُّنِهِمَا أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا مِنْ الْحَجِّ , وَلَوْ حِيلَ بَيْنَهُمَا خَاصَّةً بِحَبْسٍ عَدُوٍّ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ غَيْرُهُمَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ ثُمَّ مَاتَا وَلَمْ يَحُجَّا كَانَ هَذَانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الِاسْتِطَاعَةُ بِغَيْرِهِمَا وَيُقْضَى الْحَجُّ عَنْهُمَا . وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حُبِسَ بِبَلَدِهِ أَوْ فِي طَرِيقِهِ بِمَرَضٍ أَوْ زَمَنٍ لاَ بِعِلَّةِ غَيْرِهِ وَعَاشَ حَتَّى الْحَجِّ غَيْرَ صَحِيحٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ , @

الصفحة 302