كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 3)
أَحَدُهُمَا : أَنَّ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ مِمَّا أَخَذَ عَلَيْهِ وَيَلْحَقُ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ نَقَصَهُ كَمَا يَقُولُ فِي كُلِّ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ , وَالْآخَرُ أَنْ لاَ أُجْرَةَ لَهُ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ لاَ عَنْ غَيْرِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا أَمَرَ الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْوَاجِبِ , دَلَّ هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ عَلَى الْأَبَدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ , أَحَدُهُمَا مَا لاَ يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ , مِثْلُ الصَّلاَةِ , وَلاَ يَحْمِلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ مِثْلُ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا , وَالْآخَرُ النُّسُكُ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَكُونُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْمَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ مُتَطَوِّعًا عَنْهُ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ إذَا صَارَ فِي الْحَالِ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْحَجِّ , وَلاَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ , وَالْمُتَطَوِّعُ عَنْهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ ; لِأَنَّ الْحَالَ الَّتِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ هِيَ الْحَالُ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلاَمِ , فَلَمَّا كَانَ هُوَ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْ نَفْسِهِ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلاَمِ , وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا فَتَطَوَّعَ عَنْهُ غَيْرُهُ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ , وَقَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ بِكُلِّ نُسُكٍ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ عَمِلَهُمَا مُطِيقًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مُطِيقٍ , وَذَلِكَ أَنَّ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَطَاءٍ قَالَ : رُبَّمَا أَمَرَنِي عَطَاءٌ أَنْ أَطُوفَ عَنْهُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الطَّوَافَ مِنْ النُّسُكِ وَأَنَّهُ يُجْزِي أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فِي أَيِّ حَالٍ مَا كَانَ , وَلَيْسَ نَقُولُ بِهَذَا , وَقَوْلُنَا لاَ يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَالْمَعْمُولُ عَنْهُ غَيْرُ مُطِيقٍ الْعَمَلَ , بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لاَ يُرْجَى أَنْ يُطِيقَ بِحَالٍ , أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ , وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ , لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ وَالْمُتَطَوَّعُ عَنْهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُجْزِ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ.
قال : وَمَنْ وُلِدَ زَمَنًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَرْكَبٍ , مُحَمَّلٍ وَلاَ غَيْرِهِ , أَوْ عَرَضَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ , أَوْ كَانَ عَبْدًا فَعَتَقَ , أَوْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ فَلَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا@
الصفحة 305