كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 3)
الْحَجُّ حَتَّى يَصِيرَ بِهَذِهِ الْحَالِ , وَجَبَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ إجَارَةٍ , وَإِذَا أَمْكَنَهُ مَرْكَبُ مَحْمَلٍ أَوْ شِجَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِبَدَنِهِ , وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ إلَّا فِي مَحْمَلٍ أَوْ شِجَارٍ وَكَيْفَمَا قَدَرَ عَلَى الْمَرْكَبِ وَأَيِّ مَرْكَبٍ قَدَرَ عَلَيْهِ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ , لاَ يُجْزِيهِ غَيْرُهُ.
قال : وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى عَرَضَ لَهُ هَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إلَى الْحَالِ الَّتِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَحُجَّ فِيهَا عَمَّنْ بَلَغَهَا.
قال : وَلَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى الْبُرْءُ مِنْهُ , لَمْ أَرَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عَنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ فَيَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ , أَوْ يَهْرَمَ فَيُحَجَّ عَنْهُ أَوْ يَمُوتَ فَيُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَرِيضِ الْمُضْنَى وَبَيْنَ الْهَرِمِ أَوْ الزَّمِنِ ؟ قِيلَ لَهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ عَلِمْته بَعْدَ هَرَمٍ لاَ يَخْلِطُهُ سَقَمٌ غَيْرُهُ إلَى قُوَّةٍ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْمَرْكَبِ , وَالْأَغْلَبُ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانَةِ أَنَّهُمْ كَالْهَرِمِ , وَأَمَّا أَهْلُ السَّقَمِ فَنَرَاهُمْ كَثِيرًا يَعُودُونَ إلَى الصِّحَّةِ.
قال : وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ زَمِنٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ زَمَانَتُهُ , ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ , كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ ; لِأَنَّا إنَّمَا أَذِنَّا لَهُ عَلَى ظَاهِرِ أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ , فَلَمَّا أَمْكَنَتْهُ الْمَقْدِرَةُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ بِبَدَنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ..
قال : وَلَوْ بَعَثَ السَّقِيمُ رَجُلاً يَحُجُّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ بَرِئَ وَعَاشَ بَعْدَ الْبُرْءِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ الْحَجُّ , وَكَذَلِكَ الزَّمِنُ وَالْهَرِمُ.
قال : وَالزَّمَنُ وَالزَّمَانَةُ الَّتِي لاَ يُرْجَى الْبُرْءُ مِنْهَا وَالْهَرَمُ , فِي هَذَا الْمَعْنَى . ثُمَّ يُفَارِقُهُمْ الْمَرِيضُ , فَلاَ نَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عَنْهُ وَنَأْمُرُ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ أَنْ يَبْعَثَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُمَا , فَإِنْ بَعَثَ الْمَرِيضُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى مَاتَ فَفِيهَا قَوْلاَنِ , أَحَدُهُمَا أَنْ لاَ يُجْزِئَ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَعَثَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ فِيهَا , وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَبِهِ آخُذُ . وَالثَّانِي أَنَّهَا مُجْزِيَةٌ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ عَنْهُ حُرٌّ بَالِغٌ وَهُوَ لاَ يُطِيقُ , ثُمَّ لَمْ يَصِرْ@
الصفحة 306