كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 4)
وَاشْتَرَاهَا بِمِائَةٍ أَوْ بِمِائَتَيْنِ نَقْدًا ؟ فَإِنْ قَالَ : جَائِزٌ , قِيلَ : فَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَخْطَأْت كَانَ ثَمَّ أَوْ هَهُنَا ; لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ دَيْنًا بِمِائَتَيْ دِينَارٍ نَقْدًا . فَإِنْ قُلْت : إنَّمَا اشْتَرَيْت مِنْهُ السِّلْعَةَ , قِيلَ فَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ أَوَّلاً وَلاَ تَقُولُ كَانَ لِمَا لَيْسَ هُوَ بِكَائِنٍ , أَرَأَيْت الْبَيْعَةَ الْآخِرَةَ بِالنَّقْدِ لَوْ انْتَقَضَتْ أَلَيْسَ تُرَدُّ السِّلْعَةُ وَيَكُونُ الدَّيْنُ ثَابِتًا كَمَا هُوَ فَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ بَيْعَةٌ غَيْرُ تِلْكَ الْبَيْعَةِ ؟ فَإِنْ قُلْت : إنَّمَا اتَّهَمْته , قُلْنَا هُوَ أَقَلُّ تُهْمَةً عَلَى مَالِهِ مِنْك , فَلاَ تَرْكَنْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خَطَأً ثُمَّ تُحَرِّمُ عَلَيْهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَهَذَا بَيْعٌ وَلَيْسَ بِرِبًا , وَقَدْ رُوِيَ إجَازَةُ الْبَيْعِ إلَى الْعَطَاءِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ , وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلاَفُهُ , وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا أَنْ لاَ يُبَاعَ إلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَطَاءَ قَدْ يَتَأَخَّرُ وَيَتَقَدَّمُ , وَإِنَّمَا الْآجَالُ مَعْلُومَةٌ بِأَيَّامٍ مَوْقُوتَةٍ أَوْ أَهِلَّةٍ وَأَصْلُهَا فِي الْقُرْآنِ , قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ? يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } , وَقَالَ تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } , وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } , فَقَدْ وَقَّتَ بِالْأَهِلَّةِ كَمَا وَقَّتَ بِالْعِدَّةِ وَلَيْسَ الْعَطَاءُ مِنْ مَوَاقِيتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَقَدْ يَتَأَخَّرُ الزَّمَانُ وَيَتَقَدَّمُ وَلَيْسَ تَسْتَأْخِرُ الْأَهِلَّةُ أَبَدًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ , فَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ فَقَبَضَهَا وَكَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ أَوْ بِدَيْنٍ كَذَلِكَ أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ سَاوَى الْعَرَضَ مَا شَاءَ أَنْ يُسَاوِيَ , وَلَيْسَتْ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْبَيْعَةِ الْأُولَى بِسَبِيلٍ , أَلاَ تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْبَيْعَةُ الْأُولَى إنْ كَانَتْ أَمَةً أَنْ يُصِيبَهَا أَوْ يَهَبَهَا أَوْ يُعْتِقَهَا أَوْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ غَيْرَ بَيْعِهِ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ نَسِيئَةً ؟ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَمَنْ حَرَّمَهَا عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهَا ؟ وَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ ؟ وَهَذَا إنَّمَا تَمَلَّكَهَا مِلْكًا جَدِيدًا بِثَمَنٍ لَهَا لاَ بِالدَّنَانِيرِ الْمُتَأَخِّرَةِ ؟ أَنَّ هَذَا كَانَ ثَمَنًا لِلدَّنَانِيرِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَكَيْفَ إنْ جَازَ هَذَا عَلَى الَّذِي بَاعَهَا لاَ يَجُوزُ عَلَى أَحَدٍ لَوْ اشْتَرَاهَا ؟
قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ كُلُّهُ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لاَ يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ وَإِذَا بِعْت مِنْهُ صِنْفًا بِصِنْفِهِ , فَلاَ يَصْلُحُ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ , إنْ كَانَ كَيْلاً فَكَيْلٌ , وَإِنْ كَانَ وَزْنًا فَوَزْنٌ , كَمَا لاَ تَصْلُحُ الدَّنَانِيرُ بِالدَّنَانِيرِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ ,@
الصفحة 161