كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 4)
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَيُّ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْلَى بِالآيَةِ الْحَتْمُ بِالشَّهَادَةِ أَمْ الدَّلاَلَةُ ؟ فَإِنَّ الَّذِي يُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ أَنْ يَكُونَ دَلاَلَةً لاَ حَتْمًا يَخْرُجُ مَنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ فَإِنْ قَالَ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت ؟ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَذَكَرَ أَنَّ الْبَيْعَ حَلاَلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ بَيِّنَةً وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الدَّيْنِ { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } وَالدَّيْنُ تَبَايُعٌ وَقَدْ أَمَرَ فِيهِ بِالْإِشْهَادِ فَبَيَّنَ الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَ لَهُ بِهِ فَدَلَّ مَا بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدَّيْنِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ عَلَى النَّظَرِ وَالِاحْتِيَاطِ لاَ عَلَى الْحَتْمِ قُلْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } ثُمَّ قَالَ فِي سِيَاقِ الآيَةِ { , وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } فَلَمَّا أَمَرَ إذَا لَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا بِالرَّهْنِ ثُمَّ أَبَاحَ تَرْكَ الرَّهْنِ وَقَالَ { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ دَلاَلَةٌ عَلَى الْحَضِّ لاَ فَرْضٌ مِنْهُ يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ حُفِظَ { عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ بَايَعَ أَعْرَابِيًّا فِي فَرَسٍ فَجَحَدَ الْأَعْرَابِيُّ بِأَمْرِ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ } فَلَوْ كَانَ حَتْمًا لَمْ يُبَايِعْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِلاَ بَيِّنَةٍ وَقَدْ حُفِظَتْ عَنْ عِدَّةٍ لَقِيتهمْ مِثْلَ مَعْنَى قَوْلِي مِنْ أَنَّهُ لاَ يَعْصِي مَنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ وَأَنَّ الْبَيْعَ لاَزِمٌ , إذَا تَصَادَقَا لاَ يُنْقِضُهُ أَنْ لاَ تَكُونَ بَيِّنَةٌ كَمَا يُنْقَضُ النِّكَاحُ , لِاخْتِلاَفِ حُكْمِهِمَا .@
الصفحة 180