كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 4)

أَخْذِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ مُؤْنَةُ الْعَلَفِ أَوْ الرَّعْيِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى وَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُؤْنَةٍ , وَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالتِّبْرِ كُلِّهِ , وَالثِّيَابِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا دَفَعَهُ بَرِئَ مِنْهُ وَجُبِرَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ الَّذِي هُوَ لَهُ عَلَيْهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ لاَ أَعْلَمُهُ يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ مَا وَصَفْت أَوْ أَنْ يُقَالَ لاَ يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ هُوَ لَهُ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى دِينَارٍ , وَلاَ دِرْهَمٍ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لاَ حِرْزَ لَهُ , وَيَكُونُ مُتْلِفًا لِمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ فَيَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى مَلِيءٍ مِنْ أَنْ يَصِيرَ إلَيْهِ فَيَتْلَفُ مِنْ يَدَيْهِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا مَا ذَكَرْتُ . وَمِنْهَا أَنْ يَتَقَاضَاهُ ذُو دَيْنٍ أَوْ يَسْأَلَهُ ذُو رَحِمٍ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا صَارَ إلَيْهِ لَمْ يَتَقَاضَاهُ , وَلَمْ يَسْأَلْهُ فَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ هَذَا أَنَّا لَمْ نَرَ أَحَدًا خَالَفَ فِي أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَمُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَدْفَعُونَ مَالَهُ إلَى غُرَمَائِهِ , وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوهُ لِئَلَّا يَحْبِسُوا مِيرَاثَ الْوَرَثَةِ وَوَصِيَّةَ الْمُوصِي لَهُمْ وَيَجْبُرُونَهُمْ عَلَى أَخْذِهِ ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ لَهُمْ وَالسَّلَفُ يُخَالِفُ دَيْنَ الْمَيِّتِ فِي بَعْضِ هَذَا .
بَابُ السَّلَفِ فِي الرُّطَبِ فَيَنْفَدُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : رحمه الله إذَا سَلَّفَ رَجُلٌ رَجُلاً فِي رُطَبٍ أَوْ عِنَبٍ إلَى أَجَلٍ يَطِيبَانِ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ نَفِدَ الرُّطَبُ أَوْ الْعِنَبُ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ بِالْبَلَدِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ الْمُسَلِّفُ بِالْخِيَارِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِمَا بَقِيَ مِنْ سَلَفِهِ كَأَنْ سَلَّفَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي مِائَةِ مُدٍّ فَأَخَذَ خَمْسِينَ فَيَرْجِعُ بِخَمْسِينَ , وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ إلَى رُطَبٍ قَابِلٍ ثُمَّ أَخَذَ بَيْعَهُ بِمِثْلِ صِفَةِ رُطَبِهِ , وَكَيْلِهِ , وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ وَكُلُّ فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ تَنْفَدُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ , وَهَذَا وَجْهٌ . قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إنْ سَلَّفَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي عَشْرَةِ آصُعَ مِنْ رُطَبٍ فَأَخَذَ خَمْسَةَ آصُعَ ثُمَّ نَفَذَ الرُّطَبُ كَانَتْ لَهُ الْخَمْسَةُ آصُعَ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا ; لِأَنَّهَا حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الرُّطَبِ فَرَدَّ إلَيْهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبٌ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ .@

الصفحة 286