كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)

( قَالَ ) وَأُحِبُّ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ رُضَعَاءُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ دُونَ جِيرَانِهِ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ تُقَابِلُ حُرْمَةَ النَّسَبِ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ جِيرَانَهُ الْأَقْرَبَ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبَ . وَأَقْصَى الْجِوَارِ فِيهَا أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَفْقَرَ مَنْ يَجِدُهُ وَأَشَدَّهُ تَعَفُّفًا وَاسْتِتَارًا , وَلاَ يُبْقِي مِنْهُ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ .
بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلرَّجُلِ وَقَبُولِهِ وَرَدِّهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : رحمه الله تعالى وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ الْمَرِيضُ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ مَا كَانَتْ ثُمَّ مَاتَ فَلِلْمُوصَى لَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا لاَ يُجْبَرُ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا لاَ يُرِيدُ مِلْكَهُ بِوَجْهٍ أَبَدًا إلَّا بِأَنْ يَرِثَ شَيْئًا فَإِنَّهُ إذَا وَرِثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ الْمِيرَاثِ وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمًا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ نَقْلُ مِلْكِ الْمَوْتَى إلَى وَرَثَتِهِمْ مِنْ الْأَحْيَاءِ فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَجَمِيعُ وُجُوهِ الْمِلْكِ غَيْرِ الْمِيرَاثِ فَالْمُمَلَّكُ لَهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَهَا , وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا , وَلَوْ أَنَّا أَجْبَرْنَا رَجُلاً عَلَى قَبُولِ الْوَصِيَّةِ أَجْبَرْنَاهُ إنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبِيدٍ زَمْنَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ فَأَدْخَلْنَا الضَّرَرَ عَلَيْهِ , وَهُوَ لَمْ يُحِبَّهُ , وَلَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلاَ يَكُونُ قَبُولٌ , وَلاَ رَدٌّ فِي وَصِيَّةِ حَيَاةِ الْمُوصِي , فَلَوْ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ الرَّدُّ إذَا مَاتَ , وَلَوْ رَدَّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ إذَا مَاتَ وَيُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَجِبْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي . فَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ وَصَمْتُهُ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْ . ( قَالَ ) وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ كَانُوا كَسَائِرِ الْوَصِيَّةِ إنْ قَبِلَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي عَتَقُوا , وَإِنْ رَدَّهُمْ فَهُمْ مَمَالِيكُ تَرَكَهُمْ الْمَيِّتُ لاَ وَصِيَّةَ فِيهِمْ فَهُمْ لِوَرَثَتِهِ . ( قَالَ الرَّبِيعُ ) فَإِنْ قَبِلَ بَعْضَهُمْ وَرَدَّ بَعْضًا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ مَنْ قَبِلَ , وَكَانَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مَمْلُوكًا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ , وَلَوْ مَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ , أَوْ يَرُدَّ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقْبَلُوا , أَوْ يَرُدُّوا فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ بِمِيرَاثِهِ مِمَّا قَبِلَ وَمَنْ رَدَّ كَانَ مَا رَدَّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ . @

الصفحة 206