كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)

لَهُمْ مَا لَهُمْ ; لِأَنَّا قَدْ أَبْطَلْنَا حُكْمَ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ فَكَانَ نَصُّ الْمَنْسُوخِ فِي وَصِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ وَسَمَّى مَعَهُمْ الْأَقْرَبِينَ جُمْلَةً فَلَمَّا كَانَ الْوَالِدَانِ وَارِثَيْنِ قِسْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ وَارِثٍ , وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا كَانَ الْأَقْرَبُونَ وَرَثَةً وَغَيْرَ وَرَثَةٍ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ الْأَقْرَبِينَ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ {أَلاَ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ} وَأَجَزْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْأَقْرَبَيْنِ وَلِغَيْرِ الْوَرَثَةِ مَنْ كَانَ فَالْأَصْلُ فِي الْوَصَايَا لِمَنْ أَوْصَى فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْوَصَايَا , فَإِذَا كَانَتْ لِمَنْ يَرِثُ الْمَيِّتَ أَبْطَلْتهَا , وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ لاَ يَرِثُهُ أَجَزْتهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ وَمَوْجُودٌ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْكِتَابِ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَحَيْثُ إنَّ مَا لَمْ نَعْلَمْ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا لِئَلَّا يَأْخُذُوا مَالَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَا تَرَكَ الْمُتَوَفَّى يُؤْخَذُ بِمِيرَاثٍ , أَوْ وَصِيَّةٍ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْمَعَ لِوَاحِدٍ الْحُكْمَانِ الْمُخْتَلِفَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَحَالٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِالشَّيْءِ وَضِدِّ الشَّيْءِ , وَلَمْ يَحْتَمِلْ مَعْنًى غَيْرَهُ فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ إنَّمَا لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ مِنْ قِبَلِ تُهْمَةِ الْمُوصِي لاََنْ يَكُونَ يُحَابِي وَارِثَهُ بِبَعْضِ مَالِهِ. فَلَوْلاَ أَنَّ الْعَنَاءَ مُسْتَعْلٍ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ مَا كَانَ فِيمَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَب عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلْجَوَابِ مَوْضِعٌ ; لِأَنَّ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا حَتَّى لاَ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهِ كَانَ شَبِيهًا أَنْ لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّ الشَّيْءِ فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ فَأَيْنَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَرَأَيْت امْرَأً مِنْ الْعَرَبِ عَصَبَتُهُ يَلْقَوْنَهُ بَعْدَ ثَلاَثِينَ أَبًا قَدْ قَتَلَ آبَاءَ عَصَبَتِهِ آبَاءَهُ وَقَتَلَهُمْ آبَاؤُهُ وَبَلَغُوا غَايَةَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ بتسافك الدِّمَاءِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ وَالْقَطِيعَةِ وَالنَّفْيِ مِنْ الْأَنْسَابِ فِي الْأَشْعَارِ وَغَيْرِهَا وَمَا كَانَ هُوَ يَصْطَفِي مَا صُنِعَ بِآبَائِهِ وَيُعَادِي عَصَبَتُهُ عَلَيْهِ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ وَيَبْذُلُ مَالَهُ فِي أَنْ يَسْفِكَ دِمَاءَهُمْ وَكَانَ مِنْ عَصَبَتِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ مَنْ قَتَلَ أَبَوَيْهِ فَأَوْصَى مِنْ مَرَضِهِ لِهَؤُلاَءِ الْقَتَلَةِ وَهُمْ وَرَثَتُهُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ عَصَبَتِهِ كَانَ الْوَارِثُ مَعَهُمْ فِي حَالِ عَدَاوَتِهِمْ , أَوْ كَانَ لَهُ سِلْمًا بِهِ بَرًّا وَلَهُ وَاصِلاً , وَكَذَلِكَ كَانَ آبَاؤُهُمَا أَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِأَعْدَائِهِ , وَهُوَ لاَ يُتَّهَمُ فِيهِمْ؟.@

الصفحة 243