كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)
الْأَبُ , وَلاَ الْوَلَدُ وَالنَّسَبُ اسْمٌ جَامِعٌ لَمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيُنْسَبُ الرَّجُلُ إلَى الْعِلْمِ وَإِلَى الْجَهْلِ وَإِلَى الصِّنَاعَةِ وَإِلَى التِّجَارَةِ , وَهَذَا كُلُّهُ نَسَبٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ وَتَرْكِهِ الْفِعْلَ وَكَانَ مِنْهُمْ صِنْفٌ ثَالِثٌ لاَ آبَاءَ لَهُمْ يُعْرَفُونَ , وَلاَ وَلاَءَ فَنُسِبُوا إلَى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَإِلَى أَدْيَانِهِمْ وَصِنَاعَاتِهِمْ , وَأَصْلُ مَا قُلْت مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ: ? وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك وَاتَّقِ اللَّهَ} وَقَالَ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا , وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ: سَآوِي إلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ: لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرِقِينَ} وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ: ? وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إذْ قَالَ: لِأَبِيهِ يَا أَبَتْ لَمْ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ , وَلاَ يُبْصِرُ , وَلاَ يُغْنِي عَنْك شَيْئًا؟} وَقَالَ: تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ , أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} فَمَيَّزَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُمْ بِالدِّينِ , وَلَمْ يَقْطَعْ الْأَنْسَابَ بَيْنُهُمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَنْسَابَ لَيْسَتْ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ. الْأَنْسَابُ ثَابِتَةٌ لاَ تَزُولُ وَالدِّينُ شَيْءٌ يَدْخُلُونَ فِيهِ , أَوْ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَنَسَبَ ابْنَ نُوحٍ إلَى أَبِيهِ وَابْنُهُ كَافِرٌ وَنَسَبَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلَهُ إلَى أَبِيهِ وَأَبُوهُ كَافِرٌ وَقَالَ: عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرُهُ {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنكُمْ الشَّيْطَانُ} فَنَسَبَ إلَى آدَمَ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَلَدِهِ وَالْكَافِرَ وَنَسَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَى آبَائِهِمْ كُفَّارًا كَانُوا , أَوْ مُؤْمِنِينَ , وَكَذَلِكَ نَسَبَ الْمَوَالِي إلَى , وَلاَئِهِمْ , وَإِنْ كَانَ الْمَوَالِي مُؤْمِنِينَ وَالْمُعْتِقُونَ مُشْرِكِينَ.@
الصفحة 267