كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)
فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ حَاضِرًا , أَوْ وَكِيلٌ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ حَتَّى يَرُدّهَا إلَيْهِ , أَوْ إلَى وَكِيلِهِ , أَوْ يَأْذَنَا لَهُ أَنْ يُودَعَهَا مِنْ رَأَى , فَإِنْ فَعَلَ فَأُودَعَهَا مَنْ شَاءَ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ إذَا لَمْ يَأْذَنَا لَهُ , وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَأُودَعَهَا مَنْ يُودِعُ مَالَهُ مِمَّنْ يَكُونُ أُمَّيْنَا عَلَى ذَلِكَ فَهَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ , فَإِنْ أُودَعَهَا مِمَّنْ يُودِعُ مَالَهُ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ أَمَانَةٌ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ , وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُودِعُ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ , أَوْ حُرًّا , أَوْ عَبْدًا أَوْ ذَكَرًا , أَوْ أُنْثَى ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مَالَهُ , وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ مَالَ غَيْرِهِ , وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِمَالِهِ غَيْرَ أَمِينٍ , وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِأَمَانَتِهِ غَيْرَ أَمِينٍ .
وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِمَالِهِ الْوَدِيعَةِ , أَوْ الْوَدِيعَةِ دُونَ مَالِهِ فَهَلَكَتْ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ الْوَدِيعَةِ أَمِينًا لَمْ يَضْمَنْ الْمَيِّتُ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ .
وَلَوْ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا فِي قَرْيَةٍ آهِلَةٍ فَانْتَقَلَ إلَى قَرْيَةٍ غَيْرِ آهِلَةٍ , أَوْ فِي عُمْرَانٍ مِنْ الْقَرْيَةِ فَانْتَقَلَ إلَى خَرَابٍ مِنْ الْقَرْيَةِ وَهَلَكَتْ ضَمِنَ فِي الْحَالَيْنِ , وَلَوْ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا فِي خَرَابٍ فَانْتَقَلَ إلَى عِمَارَةٍ , أَوْ فِي خَوْفٍ فَانْتَقَلَ إلَى مَوْضِعٍ آمِنٍ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا ; لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا , وَلَوْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَعَدَّى فَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ , فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ فَأَخْرَجَهَا إلَى مَوْضِعٍ أَحْرَزَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ . وَذَلِكَ مِثْلُ النَّارِ تَغْشَاهُ وَالسَّيْلِ , وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي السَّيْلِ , أَوْ النَّارِ فَقَالَ : الْمُسْتَوْدِعُ لَمْ يَكُنْ سَيْلٌ , وَلاَ نَارٌ وَقَالَ : الْمُسْتَوْدَعُ قَدْ كَانَ فَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ ذَلِكَ بِعَيْنٍ تُرَى , أَوْ أَثَرٍ يَدُلُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدِعِ , وَمَتَى مَا قُلْت لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينَ إنْ شَاءَ الَّذِي يُخَالِفُهُ أَحْلَفَهُ
( قَالَ ) : وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ : الْمُسْتَوْدِعُ دَفَعْتهَا إلَيْك وَقَالَ : الْمُسْتَوْدَعُ لَمْ تَدْفَعْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ , وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ قَالَ : أَمَرْتنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَى فُلاَنٍ فَدَفَعْتهَا وَقَالَ الْمُسْتَوْدِعُ لَمْ آمُرْك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدِعِ وَعَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْبَيِّنَةُ . وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ . وَقَدْ قَالَ : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } فَالْأَوَّلُ إنَّمَا ادَّعَى دَفْعَهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ , وَالثَّانِي إنَّمَا ادَّعَى دَفْعَهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْتَوْدَعِ بِأَمْرِهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أُغْرِمَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَيْرُ الدَّافِعِ . وَقَدْ قَالَ : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ @
الصفحة 292