كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)

إنَّمَا يُوجِبُ سُخْطَهُ عَلَى مَنْ تَرَكَ فَرْضَهُ وَأَنَّ فَرْضَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجِهَادِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يُجَاهِدَ الْمُسْلِمُونَ ضِعْفَهُمْ مِنْ الْعَدُوِّ , وَيَأْثَمُ الْمُسْلِمُونَ لَوْ أَطَلَّ عَدُوٌّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ بِلاَ تَضْيِيعٍ لِمَا خَلْفَهُمْ مِنْ ثَغْرِهِمْ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ ضِعْفَهُمْ وَأَقَلَّ .
قَالَ : وَإِذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ فَكَثَرَهُمْ الْعَدُوُّ أَوْ قَوُوا عَلَيْهِمْ , وَإِنْ لَمْ يَكْثُرُوهُمْ بِمَكِيدَةٍ , أَوْ غَيْرِهَا فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ , أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ رَجَوْت أَنْ لاَ يَأْثَمُوا , وَلاَ يَخْرُجُونَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْ الْمَأْثَمِ إلَّا بِأَنْ لاَ يُوَلُّوا الْعَدُوَّ دُبُرًا إلَّا وَهُمْ يَنْوُونَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ التَّحَرُّفِ إلَى الْقِتَالِ أَوْ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ فَإِنْ وَلَّوْا عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ خَشِيت أَنْ يَأْثَمُوا وَأَنْ يُحْدِثُوا بَعْدُ نِيَّةَ خَيْرٍ لَهُمْ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا مِنْهُمْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ خَيْرٍ بِلاَ كَفَّارَةٍ مَعْلُومَةٍ فِيهِ . قَالَ : وَلَوْ وَلَّوْا يُرِيدُونَ التَّحَرُّفَ لِلْقِتَالِ أَوْ التَّحَيُّزَ إلَى الْفِئَةِ ثُمَّ أَحْدَثُوا بَعْدُ نِيَّةً فِي الْمُقَامِ عَلَى الْفِرَارِ بِلاَ وَاحِدَةٍ مِنْ النِّيَّتَيْنِ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ بِالتَّوْلِيَةِ مَعَ النِّيَّةِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَخِفْت أَنْ يَأْثَمُوا بِالنِّيَّةِ الْحَادِثَةِ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى الْفِرَارِ لاَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ , وَإِنْ بَعْضُ أَهْلِ الْفَيْءِ نَوَى أَنْ يُجَاهِدَ عَدُوًّا بِلاَ عُذْرٍ خِفْت عَلَيْهِ الْمَأْثَمَ , وَلَوْ نَوَى الْمُجَاهِدُ أَنْ يَفِرَّ عَنْهُ لاَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ خَوْفِي عَلَيْهِ مِنْ الْمَأْثَمِ أَعْظَمَ , وَلَوْ شَهِدَ الْقِتَالَ مَنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمَرْضَى الْأَحْرَارِ خِفْت أَنْ يَضِيقَ عَلَى أَهْلِ الْقِتَالِ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا عُذِرُوا بِتَرْكِهِ , فَإِذَا تَكَلَّفُوهُ فَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ كَمَا يُعْذَرُ الْفَقِيرُ الزَّمِنُ بِتَرْكِ الْحَجِّ , فَإِذَا حَجَّ لَزِمَهُ فِيهِ مَا لَزِمَ مَنْ لاَ يُعْذَرُ بِتَرْكِهِ مِنْ عَمَلٍ وَمَأْثَمٍ وَفِدْيَةٍ .@

الصفحة 393