كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)

ثُمَّ غَزَوْا غَزَاةً أُخْرَى وَعَادُوا إلَى تَرْكِ الْغَزَاةِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ غَنِيمَةٍ شَهِدُوهَا , وَلَمْ يُوَلُّوا بَعْدَهَا فَلَهُمْ حَقُّهُمْ مِنْهَا , وَإِذَا رَجَعَ الْقَوْمُ الْقَهْقَرَى بِلاَ نِيَّةٍ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ كَانُوا كَالْمُوَلِّينَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِالتَّحْرِيمِ الْهَزِيمَةُ عَنْ الْمُشْرِكِينَ .
وَإِذَا غَزَا الْقَوْمُ فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ بِأَنْ يُوَلُّوا , وَإِنْ ذَهَبَ السِّلاَحُ وَالدَّوَابُّ وَكَانُوا يَجِدُونَ شَيْئًا يَدْفَعُونَ بِهِ مِنْ حِجَارَةٍ , أَوْ خَشَبٍ , أَوْ غَيْرِهَا , وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَجِدُوا مِنْ هَذَا شَيْئًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلُّوا فَإِنْ فَعَلُوا أَحْبَبْت أَنْ يَجْمَعُوا مَعَ الْفِعْلِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ , وَلاَ يُبَيِّنُ أَنْ يَأْثَمُوا ; لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ لاَ يَقْدِرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى شَيْءٍ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ , وَأُحِبُّ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ لاَ يُوَلِّيَ أَحَدٌ بِحَالٍ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ , أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ .
وَلَوْ غَزَا الْمُشْرِكُونَ بِلاَدَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ تَوْلِيَةُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ كَتَوْلِيَتِهِمْ لَوْ غَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إذَا كَانُوا نَازِلِينَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْرُزُوا إلَيْهِمْ .
قَالَ : وَلاَ يَضِيقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَحَصَّنُوا مِنْ الْعَدُوِّ فِي بِلاَدِ الْعَدُوِّ وَبِلاَدِ الْإِسْلاَمِ , وَإِنْ كَانُوا قَاهِرِينَ لِلْعَدُوِّ فِيمَا يَرَوْنَ إذَا ظَنُّوا ذَلِكَ أَزْيَدَ فِي قُوَّتِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَدُوُّ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا فِي تَحَصُّنِهِمْ عَنْهُمْ , فَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ إنْ أَمْكَنَهُمْ الْخُرُوجُ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُمْ , فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ قَاهِرِينَ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَحَصَّنُوا إلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ مَدَدٌ أَوْ تَحْدُثُ لَهُمْ قُوَّةٌ , وَإِنْ وَنَى عَلَيْهِمْ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُوَلُّوا عَنْ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَلْتَقُوا هُمْ وَالْعَدُوُّ ; لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّوْلِيَةِ بَعْدَ اللِّقَاءِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : رحمه الله وَالتَّحَرُّفُ لِلْقِتَالِ الِاسْتِطْرَادُ إلَى أَنْ يُمْكِنَ الْمُسْتَطْرِدُ الْكَرَّةَ فِي أَيِّ حَالٍ مَا كَانَ الْإِمْكَانُ وَالتَّحَيُّزُ إلَى الْفِئَةِ أَيْنَ كَانَتْ الْفِئَةُ بِبِلاَدِ الْعَدُوِّ , أَوْ بِبِلاَدِ الْإِسْلاَمِ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إنَّمَا يَأْثَمُ فِي التَّوْلِيَةِ مَنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدًا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ@

الصفحة 395