كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 5)
لَمَّا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَذِنَ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ فِي الْأُسَارَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ لِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ أَبَدًا أَنْ يَمُنَّ أَوْ يُفَادِيَ أَوْ يَقْتُلَ أَوْ يَسْتَرِقَّ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَقَدْ جَاءَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ وَصَفْنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْأَسَارَى الْخِيَارُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّظَرِ لِلْإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ فَيَقْتُلُ إنْ كَانَ ذَلِكَ أَوْهَنُ وَأَطْفَأُ لِلْحَرْبِ وَيَدْعُ إنْ كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ لِنَشْرِ الْحَرْبِ وَأَطْلَبَ لِلْعَدُوِّ عَلَى نَحْوِ مَا أَشَارَ بِهِ أَنَسٌ عَلَى عُمَرَ وَمَتَى سَبَقَ مِنْ الْإِمَامِ قَوْلٌ فِيهِ أَمَانٌ ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْأَمَانِ بَعْدَمَا سَبَقَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ قَوْلٍ يُشْبِهُ الْأَمَانَ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ تَكَلَّمْ لاَ بَأْسَ
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلاَ قَوَدَ عَلَى قَاتِلِ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الْهُرْمُزَانَ قَاتَلَ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَوَدًا وَقَوْلُ عُمَرَ فِي هَذَا مُوَافِقٌ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ جَاءَهُ قَاتِلُ حَمْزَةَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَقْتُلْهُ بِهِ قَوَدًا وَجَاءَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ قَاتِلٌ مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَوَدًا وَقَوْلُ عُمَرَ لِتَأْتِينِي بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لاََبْدَأَنَّ بِعُقُوبَتِك يَحْتَمِلُ أَنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ مِنْ أَنْ لاَ تُقْبَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ احْتِيَاطًا كَمَا احْتَاطَ فِي الْأَخْبَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْهِ فَجَعَلَ الشَّاهِدَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ دَافِعٌ عَمَّنْ هُوَ بِيَدَيْهِ وَأَشْبَهَ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ احْتِيَاطًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه سَأَلَهُ " إذَا حَاصَرْتُمْ الْمَدِينَةَ كَيْفَ تَصْنَعُونَ " قَالَ: نَبْعَثُ الرَّجُلَ إلَى الْمَدِينَةِ وَنَصْنَعُ لَهُ هَنَةً مِنْ جُلُودٍ قَالَ: " أَرَأَيْت إنْ رُمِيَ بِحَجَرٍ " قَالَ إذًا يُقْتَلُ قَالَ: فَلاَ تَفْعَلُوا فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَسُرّنِي أَنْ تَفْتَحُوا مَدِينَةً فِيهَا أَرْبَعَةُ آلاَفِ مُقَاتِلٍ بِتَضْيِيعِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه الله تعالى مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ هَذَا احْتِيَاطٌ وَحُسْنُ نَظَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنِّي أَسْتَحِبُّ لِلْإِمَامِ وَلِجَمِيعِ الْعُمَّالِ وَلِلنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ لاَ يَكُونُوا مُعْتَرِضِينَ@
الصفحة 616