كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 6)
كَهِيَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ يَهْدِمُ الزَّوْجُ المصيبها بَعْدَهُ الثَّلاَثَ وَلاَ يَهْدِمُ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ قَالَ غَيْرُك إذَا هَدَمَ الثَّلاَثَ هَدَمَ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ بِهِ ؟ قِيلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتِدْلاَلاً مَوْجُودًا فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ قَالَ وَأَيْنَ ؟ قِيلَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ? الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } وَقَالَ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : رحمه الله تعالى دَلَّ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا وَذَلِكَ أَنَّهُ أَبَانَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا رَجْعَتُهَا مِنْ وَاحِدَةٍ وَاثْنَتَيْنِ فَإِذَا طَلُقَتْ ثَلاَثًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِزَوْجٍ غَيْرِهِ حُكْمٌ يُحِلُّهَا لِمُطَلِّقِهَا وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا لِأَنَّهَا حَلاَلٌ إذَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ قَبْلَ الزَّوْجِ كَانَ مَعْنَى نِكَاحِهِ وَتَرْكِهِ النِّكَاحَ سَوَاءً وَلَمَّا كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا حَرَامًا عَلَى مُطَلِّقِهَا الثَّلاَثَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَكَانَتْ إنَّمَا تَحِلُّ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ بِنِكَاحِهِ كَانَ لَهُ حُكْمٌ بَيْنَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَتَّى يَنْكِحَهَا هَذَا الزَّوْجُ الْآخَرُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ مَا لَهُ حُكْمٌ بِمَا لاَ حُكْمَ لَهُ وَكَانَ أَصْلُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا يَحِلُّ لِلْمَرْءِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْحَلاَلُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَلَمَّا حَلَّتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا بِزَوْجٍ غَيْرِهِ بَعْدَ مُفَارِقَتِهَا نِسَاءَ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي هَذَا الْحُكْمِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ فِي غَيْرِ الثَّلاَثِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَكَانَ فِي الْمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يُحِلُّ نِكَاحَهُ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ وَلاَ يُحَرِّمُ شَيْئًا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَحْرُمْ فَتَحِلَّ بِهِ وَكَانَ هُوَ غَيْرَ الزَّوْجِ وَلاَ يَحِلُّ لَهُ شَيْءٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلاَ يَكُونُ لِغَيْرِهِ حُكْمٌ فِي حُكْمِهِ إلَّا حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُخَالِفًا لِهَذَا فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ خِلاَفُهُ @
الصفحة 634