كتاب الأم للشافعي - ط الوفاء (اسم الجزء: 7)

قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَصْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي أَحَدُهُمَا الْعَقْلُ وَلاَ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْآخَرِ الْعَقْلُ فَأَمَّا مَا لاَ يَكُونُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ عَقْلٌ فَمَا كَانَ لاَ يَحِلُّ لِلْإِمَامِ إلَّا أَخْذُهُ مِمَّنْ عَاقَبَهُ بِهِ فَإِنْ تَلِفَ الْمُعَاقَبُ بِهِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الَّذِي عَاقَبَهُ بِهِ شَيْءٌ وَالْمُقِيمُ عَلَيْهِ مَأْجُورٌ فِيهِ وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَزْنِيَ وَهُوَ بِكْرٌ فَيَجْلِدَهُ أَوْ يَسْرِقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَيَقْطَعَهُ أَوْ يَجْرَحَ جُرْحًا فَيَقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ يَقْذِفَ فَيُجْلَدَ حَدَّ الْقَذْفِ فَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدٍّ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنْ مَاتَ فِيهِ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ فَلاَ عَقْلَ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْإِمَامِ فِيهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي يَسْقُطُ فِيهِ الْعَقْلُ أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلُ بِهِ الدَّاءُ الطَّبِيبَ أَنْ يَبُطَّ جَرْحَهُ أَوْ الْأَكْلَةُ أَنْ يَقْطَعَ عُضْوًا يَخَافُ مَشْيَهَا إلَيْهِ أَوْ يَفْجُرَ لَهُ عِرْقًا , أَوْ الْحَجَّامَ أَنْ يَحْجُمَهُ أَوْ الْكَاوِيَ أَنْ يَكْوِيَهُ أَوْ يَأْمُرَ أَبُو الصَّبِيِّ أَوْ سَيِّدُ الْمَمْلُوكِ الْحَجَّامَ أَنْ يَخْتِنَهُ فَيَمُوتَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلَمْ يَتَعَدَّ الْمَأْمُورُ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلاَ عَقْلَ وَلاَ مأخوذية إنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ الطَّبِيبَ وَالْحَجَّامَ إنَّمَا فَعَلاَهُ لِلصَّلاَحِ بِأَمْرِ الْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ وَالِدِ الصَّبِيِّ أَوْ سَيِّدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِمَا أَمْرُهُ فِي كُلِّ نَظَرٍ لَهُمَا كَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا أَمْرُ أَنْفُسِهِمَا لَوْ كَانَا بَالِغَيْنِ فَأَمَّا مَا عَاقَبَ بِهِ السُّلْطَانُ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَجَبَ لِلَّهِ وَتَلِفَ مِنْهُ الْمُعَاقَبُ فَعَلَى السُّلْطَانِ عَقْلُ الْمُعَاقَبِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْعَقْلِ الَّذِي يَلْزَمُ السُّلْطَانُ فَأَمَّا الَّذِي أَخْتَارُ وَاَلَّذِي سَمِعْت مِمَّنْ أَرْضَى مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَاقِلَةِ السُّلْطَانِ وَقَدْ قَالَ غَيْرُنَا مِنْ الْمَشْرِقِيِّينَ الْعَقْلُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ السُّلْطَانَ إنَّمَا يُؤَدِّبُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا فِيهِ صَلاَحُهُمْ فَالْعَقْلُ عَلَيْهِمْ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ وَهَكَذَا الرَّجُلُ يُؤَدِّبُ امْرَأَتَهُ فَتُؤْتَى عَلَى يَدَيْهِ فَتَتْلَفُ الْعَقْلُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ لاَ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ أَنْ يَقُومَ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ حَدٍّ أَوْ قَتْلٍ وَلَمْ يُبِحْهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ لَهُ فَنَالَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ @

الصفحة 432