كتاب التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

من عذاب الله؛ لا بقوَّةٍ منه، ولا بقوَّةٍ من خارجٍ - وهو "النَّاصر" -، فإنَّ العبد إذا وقع في شدَّةٍ: فإمَّا أن يَدْفَعَها بقوَّتِه، أو بقوَّةِ من يَنْصُرُه، وكلاهما معدومٌ في حَقِّهِ، ونظيره قوله سبحانه: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)} [الأنبياء: ٤٣].
ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ {السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)}، فأقسم بالسماءِ وَرَجْعِها بالمَطَر، والأرض وَصَدْعِها بالنَّبَات.
قال الفَرَّاء: "تُبْدِي بالمطر ثُمَّ تَرْجِعُ به في كُلِّ عامٍ" (¬١).
وقال أبو إسحاق: "الرَّجْعُ: المطر؛ لأنَّه يجيءُ (¬٢) ويرجع ويتكرَّر" (¬٣).
وكذا قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "تُبْدِي بالمطر ثُمَّ ترجع به في كلِّ عام" (¬٤).
والتحقيقُ: أنَّ هذا على وجه التمثيل، ورَجْعُ السماء: هو إعطاءُ الخير الذي يكون من جِهَتِها حالًا بعد حالٍ، على مرور الأزمان. تَرْجِعُهُ
---------------
(¬١) "معاني القرآن" (٣/ ٢٥٥).
(¬٢) من قوله: "قال الفرَّاء. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
(¬٣) "معاني القرآن" للزجَّاج (٥/ ٣١٢).
(¬٤) أخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٣٦٥)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ٢٦٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" رقم (٧٤٦)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥١٩) رقم (٣٩٧٥) وصححه ووافقه الذهبي.
وزاد السيوطي نسبته إلى: الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. "الدر المنثور" (٦/ ٥٦١).

الصفحة 171