كتاب التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
قلت: وإتيانه بـ "إذا" التي لا تكون إلا للمُحَقَّقِ الوقوعِ يدلُّ على تحققِ وقوع هذا التبديل وأنَّه واقعٌ لا محالة، وذلك هو "النَّشْأَةُ الأُخْرَى" التي استدَلَّ على إمكانها بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} , واستدلَّ على المِثْل بالمثل، وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه.
وكونهم "أمثالهم" هو إنشاؤُهم خلقًا جديدًا بعينه، فَهُمْ هُم بأعيانهم، وهم أمثالُهم، فَهُم أنفسُهم يُعَادُون. فإذا قلتَ للمُعَادِ: هذا هو الأوَّلُ بعينه؛ صَدَقْتَ، وإن قلتَ: هو مثله؛ صَدَقْتَ. فهُو هُو (¬١) مُعَادًا، وهو مثل الأوَّل.
وقد أوضح هذا - سبحانه - بقوله: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) } [ق: ١٥]، فهذا الخَلْقُ الجديد هو المتضمَّنُ لكونهم أمثالهم. وقد سمَّاهُ الله - سبحانه وتعالى -: إعادةً، والمُعَاد (¬٢) مثل المُبْتَدَأ، وسمَّاهُ "نَشْأَةً أخرى" وهي مثل الأُولى، وسمَّاهُ "خَلْقًا جديدًا" وهو مثل الخَلق الأوَّل كما قال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) } [ق: ١٥]، وسمَّاهُم (¬٣) "أمثالًا" وَهُمْ هُمْ. فتطابقت ألفاظ القرآن، وصدَّقَ بعضُها بعضًا، وبيَّنَ بعضُها بعضًا.
وبهذا تزول إشكالاتٌ أوردها من لم يفهم المَعَاد الذي أخبرت به الرُّسُل عن الله - عزَّ وجلَّ -. ولا يُفْهَمُ من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنَّهم غيرُهم من كلِّ وجهٍ، فهذا خطأٌ قطعًا - مَعَاذَ اللهِ من اعتقاده -، بل هُمْ أمثالُهم، وهُمْ أعيانُهم. وإذا فُهِمَت الحقائقُ فلا يُنَاقِشُ
---------------
(¬١) ساقط من (ز).
(¬٢) في (ك): والإعادة.
(¬٣) "وسماهم" ملحق بهامش (ك)، وفي (ح) و (م): وسمَّاه.