كتاب التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

إذا أراد اللهُ أنْ يَخْلُقَ شيئًا بإذن الله لبِضْعٍ وأربعين ليلةً" ثُمَّ ذكر نحوه.
قيل: نتلقاه - أيضًا - بالتصديق والقبول، وترك التحريف. وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطبَّاء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين.
فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود، وهو صريحٌ في أنَّ "النُّطْفَةَ" أربعين يومًا نطفةٌ، ثُمَّ أربعين يومًا "عَلَقةٌ"، ثُمَّ أربعين "مُضْغَةٌ"، ومعلومٌ أنَّ "العَلَقَةَ" و"المُضْغَةَ" لا صورة فيهما (¬١)، ولا جلد، ولا لحم، ولا عظم. وليس بنا حاجةٌ إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطبَّاء؛ فإنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ، وقولُهم عُرْضَةُ الخطأ، ولكنَّ الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدِّم؟
قيل: لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارجٌ من مشكاةٍ صادقةٍ معصومةٍ.
وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ التصوير في حديث حذيفة إنَّما هو بعد الأربعين الثالثة، قالوا: وأكثر ما فيه التعقيب بـ "الفاء"، وتعقيب كلِّ شيءٍ بحَسَبه، وقد قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: ٦٣]، بل قد قال تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: ١٤]، وهذا تعقيبٌ بحسب ما يصلح له المَحَلُّ، ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأوَّل تعقيب اتصال.
وظنَّت طائفةٌ أخرى أنَّ التصويرَ والتخليقَ الذي في حديث
---------------
(¬١) في جميع النسخ: فيها، وما أثبته أنسب.

الصفحة 520