كتاب التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
وقال قومٌ: مَحَلُّها "القلب".
وقال قومٌ: مَحَلُّها "العقل".
ولكلِّ فريقٍ منهم حُجَجٌ وأدلَّةٌ، وكلٌّ منهم أدرك شيئًا وغابت عنه أشياء. إذ الإدراك المذكور مفتقِرٌ إلى مجموع ذلك، لا يتمُّ إلا به.
والتحقيقُ: أنَّ منشأَ ذلك ومبدأَهُ من "القلب"، ونهايَتَهُ ومستقَرَّهُ في "الرأس".
وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء: هل العقل في "القلب" أو في "الدِّماغ"؟ على قولين؛ حُكِيا روايتين عن الإمام أحمد (¬١).
والتحقيق: أنَّ أصلَهُ ومادَّتَهُ من "القلب"، وينتهي إلى "الدِّمَاغ". قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: ٤٦]، فجعل العقل (¬٢) بـ "القلب"، كما جعل السَّمْعَ بـ "الأُذُن"، والبَصَرَ بـ "العين".
وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)} [ق: ٣٧]، قال غيرُ واحدٍ من السلف: "لمن كان له عقلٌ".
واحتجَّ الآخَرون: بأنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ في رأسه فيزول عقله، ولولا أنَّ العقل في "الرأس" لما زال. فإنَّ السمعَ والبصرَ لا يزولان بضرب اليدِ، ولا الرِّجْلِ، ولا غيرِهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بها.
---------------
(¬١) انظر: "العدة" (١/ ٨٩)، و"المسوَّدة" (٢/ ٩٨٢)، و"التحبير شرح التحرير" (١/ ٢٦٢)، و "شرح الكوكب المنير" (١/ ٨٣).
(¬٢) "العقل" ملحق بهامش (ك).