كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِتْنَة الْمَحْيَا مَا يَعْرِض لِلْإِنْسَانِ مُدَّة حَيَاته مِنْ الِافْتِتَان بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَات وَالْجَهَالَات وَأَعْظَمهَا وَالْعِيَاذ بِاَللَّهِ أَمْر الْخَاتِمَة عِنْد الْمَوْت ، وَفِتْنَة الْمَمَات يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الْفِتْنَة عِنْد الْمَوْت أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَيَكُون الْمُرَاد بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْل ذَلِكَ ، وَيَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا فِتْنَة الْقَبْر . وَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيث أَسْمَاء " إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُوركُمْ مِثْل أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال " وَلَا يَكُون مَعَ هَذَا الْوَجْه مُنْكِرًا مَعَ قَوْله عَذَاب الْقَبْر ، لِأَنَّ الْعَذَاب مُرَتَّب عَنْ الْفِتْنَة وَالسَّبَب غَيْر الْمُسَبَّب .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاء مَعَ زَوَال الصَّبْر ، وَبِفِتْنَةِ الْمَمَات السُّؤَال فِي الْقَبْر مَعَ الْحِيرَة ، وَهَذَا مِنْ الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ لِأَنَّ عَذَاب الْقَبْر دَاخِل تَحْت فِتْنَة الْمَمَات ، وَفِتْنَة الدَّجَّال دَاخِلَة تَحْت فِتْنَة الْمَحْيَا : وَأَخْرَجَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ إِنَّ الْمَيِّت إِذَا سُئِلَ مَنْ رَبّك تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَان ، فَيُشِير إِلَى نَفْسه أَنِّي أَنَا رَبّك فَلِهَذَا وَرَدَ سُؤَال التَّثَبُّت لَهُ حِين يُسْأَل . ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّد إِلَى عَمْرو بْن مُرَّة كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّت فِي الْقَبْر أَنْ يَقُولُوا اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ الشَّيْطَان كَذَا فِي الْفَتْح
( مِنْ الْمَأْثَم )
: إِمَّا مَصْدَر أَثِمَ الرَّجُل أَوْ مَا فِيهِ الْإِثْم أَوْ مَا يُوجِب الْإِثْم
( وَالْمَغْرَم )
: أَيْ الدَّيْن ، يُقَال غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ اِدَّانَ قِيلَ وَالْمُرَاد بِهِ مَا يُسْتَدَان فِيمَا لَا يَجُوز أَوْ فِيمَا يَجُوز ثُمَّ يَعْجِز عَنْ أَدَائِهِ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ اِسْتَعَاذَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَلَبَة الدَّيْن . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمَغْرَم الْغُرْم ، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْحَدِيث عَلَى الضَّرَر اللَّاحِق مِنْ الْمَغْرَم ، وَاَللَّه أَعْلَم
( فَقَالَ قَائِل )
: أَيْ عَائِشَة كَمَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ
( مَا أَكْثَر )
: بِالنَّصْبِ ، وَمَا تَعَجُّبِيَّة
( مَا تَسْتَعِيذ )
: مَا مَصْدَرِيَّة أَيْ اِسْتِعَاذَتك
( إِنَّ الرَّجُل )
: الْمُرَاد بِهِ @
الصفحة 135