كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
وَبِلَفْظِ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّخَصُّر فِي الصَّلَاة " وَبِلَفْظِ " نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة " رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ الْمُؤَلِّف ، وَبِلَفْظِ " نَهَى عَنْ الْخَصْر فِي الصَّلَاة " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ . وَمَعْنَى الِاخْتِصَار وَالتَّخَصُّر وَالْخَصْر وَاحِد : هُوَ وَضْع الْيَد عَلَى الْخَاصِرَة ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْحَدِيث وَالْفِقْه . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره قَوْلًا آخَر فِي تَفْسِيره الِاخْتِصَار فَقَالَ : وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَار هُوَ أَنْ يُمْسِك بِيَدَيْهِ مِخْصَرَة ، أَيْ عَصًا يَتَوَكَّأ عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ الصَّلَاة عَلَى الْمِخْصَرَة لَا مَعْنَى لَهُ . وَفِيهِ قَوْل ثَالِث حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة ، وَهُوَ أَنْ يَخْتَصِر السُّورَة فَيَقْرَأ مِنْ آخِرهَا آيَة أَوْ آيَتَيْنِ . وَفِيهِ قَوْل آخَر حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ وَهُوَ أَنْ يَحْذِف مِنْ الصَّلَاة فَلَا يَمُدّ قِيَامهَا وَرُكُوعهَا وَسُجُودهَا .
وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى تَحْرِيم الِاخْتِصَار . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَهْل الظَّاهِر ، وَذَهَبَ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَعَائِشَة وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِد وَأَبُو مِجْلَز وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَأَهْل الْكُوفَة وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَكْرُوه ، وَالظَّاهِر مَا قَالَهُ أَهْل الظَّاهِر لِعَدَمِ قِيَام قَرِينَة تَصْرِف النَّهْي عَنْ التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ كَمَا هُوَ الْحَقّ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى عَنْ الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة لِأَجْلِهِ عَلَى أَقْوَال : الْأَوَّل : التَّشْبِيه بِالشَّيْطَانِ . الثَّانِي : أَنَّهُ تَشَبُّه بِالْيَهُودِ . الثَّالِث : أَنَّهُ رَاحَة أَهْل النَّار . وَالرَّابِع : أَنَّهُ فِعْل الْمُخْتَالِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ . وَالْخَامِس : أَنَّهُ شَكْل مِنْ أَشْكَال الْمَصَائِب يَصُفُّونَ أَيْدِيهمْ عَلَى الْخَوَاصِر إِذَا قَامُوا فِي الْمَأْتَم ، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّف ذَكَرَ فِي تَرْجَمَة الْبَاب الْإِقْعَاء أَيْضًا وَلَمْ يُورِد فِيهِ حَدِيثًا مَعَ أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْإِقْعَاءِ قَبْلُ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ ، وَيَجِيء بَعْض الْبَيَان فِي بَاب الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة .@
الصفحة 171