كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

وَالسَّلَام مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة وَسَمِعَ أُولَئِكَ بِمُهَاجَرَتِهِ هَاجَرُوا مِنْ الْحَبَشَة إِلَى الْمَدِينَة فَوَجَدُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة وَمِنْهُمْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ
( فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْنَا )
: أَيْ السَّلَام . رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل اِبْن سِيرِينَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ عَلَى اِبْن مَسْعُود فِي هَذِهِ الْقِصَّة السَّلَام بِالْإِشَارَةِ . كَذَا فِي الْفَتْح
( إِنَّ فِي الصَّلَاة لَشُغْلًا )
: بِضَمِّ الشِّين وَسُكُون الْغَيْن وَبِضَمِّهِمَا ، وَالتَّنْكِير فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآن وَالذِّكْر وَالدُّعَاء أَوْ لِلتَّعْظِيمِ ، أَيْ شُغْلًا وَأَيّ شُغْل لِأَنَّهَا مُنَاجَاة مَعَ اللَّه تَسْتَدْعِي الِاسْتِغْرَاق بِخِدْمَتِهِ فَلَا يَصْلُح الِاشْتِغَال بِغَيْرِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ وَظِيفَة الْمُصَلِّي الِاشْتِغَال بِصَلَاتِهِ وَتَدَبُّر مَا يَقُولهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْرُج عَلَى غَيْرهَا مِنْ رَدّ السَّلَام وَنَحْوه .
قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِم : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُصَلِّي يُسَلَّم عَلَيْهِ ، فَرَخَّصَتْ طَائِفَة فِي الرَّدّ ، كَانَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ، وَكَذَلِكَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة رَدَّهُ حَتَّى يَسْمَع ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِر نَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ أَكْثَر الْفُقَهَاء لَا يَرُدّ السَّلَام . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ يَرُدّ إِشَارَة ، وَقَالَ عَطَاء وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ : إِذَا اِنْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاة رَدّ السَّلَام . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة لَا يَرُدّ السَّلَام وَلَا يُشِير .
قُلْت : رَدّ السَّلَام قَوْلًا وَنُطْقًا مَحْظُور ، وَرَدَّهُ بَعْد الْخُرُوج مِنْ الصَّلَاة سُنَّة . وَقَدْ رَدَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِبْن مَسْعُود بَعْد الْفَرَاغ مِنْ صَلَاته السَّلَام وَالْإِشَارَة حَسَنَة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَشَارَ فِي الصَّلَاة ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَاب . اِنْتَهَى .
قُلْت : اِسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ مِنْ رَدّ السَّلَام فِي الصَّلَاة بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود هَذَا لِقَوْلِهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْنَا وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل الرَّدّ الْمَنْفِيّ هَاهُنَا عَلَى الرَّدّ بِالْكَلَامِ لَا الرَّدّ بِالْإِشَارَةِ@

الصفحة 192