كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

( وَمِنَّا رِجَال يَتَطَيَّرُونَ )
: فِي النِّهَايَة : الطِّيَرَة بِكَسْرِ الطَّاء وَفَتْح الْيَاء ، وَقَدْ تُسْكَن هِيَ التَّشَاؤُم بِالشَّيْءِ وَهِيَ مَصْدَر تَطِير طِيَرَة كَمَا تَقُول تَخَيَّرَ خِيرَة وَلَمْ يَجِئ مِنْ الْمَصَادِر غَيْرهمَا . وَأَصْل التَّطَيُّر التَّفَاؤُل بِالطَّيْرِ وَاسْتُعْمِلَ لِكُلِّ مَا يُتَفَاءَل بِهِ وَيُتَشَاءَم ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَتَطَيَّرُونَ بِالصَّيْدِ كَالطَّيْرِ وَالظَّبْي فَيَتَيَمَّنُونَ بِالسَّوَانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْبَوَارِحِ ، وَالْبَوَارِح عَلَى مَا فِي الْقَامُوس مِنْ الصَّيْد مَا مَرَّ مِنْ مَيَامِنك إِلَى مَيَاسِرك ، وَالسَّوَانِح ضِدّهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ يَصُدّهُمْ عَنْ مَقَاصِدهمْ وَيَمْنَع عَنْ السَّيْر إِلَى مَطَالِبهمْ ، فَنَفَاهُ الشَّرْع وَأَبْطَلَهُ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ
( ذَاكَ )
: أَيْ التَّطَيُّر
( شَيْء يَجِدُونَهُ فِي صُدُورهمْ )
: يَعْنِي هَذَا وَهْم يَنْشَأ مِنْ نُفُوسهمْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِير فِي اِجْتِلَاب نَفْع أَوْ ضُرّ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء يُسَوِّلهُ الشَّيْطَان وَيُزَيِّنهُ حَتَّى يَعْمَلُوا بِقَضِيَّتِهِ لِيَجُرّهُمْ بِذَلِكَ إِلَى اِعْتِقَاد مُؤْثَر غَيْر اللَّه تَعَالَى وَهُوَ لَا يَحِلّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء . وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَالَ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ أَنَّ الطِّيَرَة شَيْء تَجِدُونَهُ فِي نُفُوسكُمْ ضَرُورَة وَلَا عُتْب عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْر مُكْتَسَب لَكُمْ فَلَا تَكْلِيف بِهِ وَلَكِنْ لَا تُمْنَعُوا بِسَبَبِهِ مِنْ التَّصَرُّف فِي أُمُوركُمْ فَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُكْتَسَب لَكُمْ فَيَقَع بِهِ التَّكْلِيف . فَنَهَاهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَمَل بِالطِّيَرَةِ ، وَالِامْتِنَاع مِنْ تَصَرُّفَاتهمْ بِسَبَبِهَا
( فَلَا يَصُدّهُمْ )
: أَيْ لَا يَمْنَعهُمْ التَّطَيُّر مِنْ مَقَاصِدهمْ لِأَنَّهُ لَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ مَا يَتَوَهَّمُونَهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لَا يَمْنَعهُمْ عَمَّا يَتَوَجَّهُونَ مِنْ الْمَقَاصِد أَوْ مِنْ سُوء السَّبِيل مَا يَجِدُونَ فِي صُدُورهمْ مِنْ الْوَهْم ، فَالنَّهْي وَارِد عَلَى مَا يَتَوَهَّمُونَهُ ظَاهِرًا وَهُمْ مَنْهِيُّونَ فِي الْحَقِيقَة عَنْ مُزَاوَلَة مَا يُوقِعهُمْ مِنْ الْوَهْم فِي الصَّدْر
( وَمِنَّا رِجَال يَخُطُّونَ )
: الْخَطّ عِنْد الْعَرَب فِيمَا فَسَّرَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ ، قَالَ : يَأْتِي الرَّجُل الْعَرَّاف وَبَيْن يَدَيْهِ غُلَام فَيَأْمُرهُ أَنْ يَخُطّ فِي الرَّمْل خُطُوطًا كَثِيرَة @

الصفحة 201