كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
وَاشْتَدَّ الْأَذَى عَلَيْهِمْ فَخَرَجُوا إِلَيْهَا أَيْضًا فَكَانُوا فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة أَضْعَاف الْأُولَى وَكَانَ اِبْن مَسْعُود مَعَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَاخْتُلِفَ فِي مُرَاده بِقَوْلِهِ : فَلَمَّا رَجَعْنَا هَلْ أَرَادَ الرُّجُوع الْأَوَّل وَالثَّانِي . فَجَنَحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى الْأَوَّل وَقَالُوا كَانَ تَحْرِيم الْكَلَام بِمَكَّة ، وَحَمَلُوا حَدِيث زَيْد عَلَى أَنَّهُ وَقَوْمه لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّسْخ وَقَالُوا : لَا مَانِع أَنْ يَتَقَدَّم الْحُكْم ثُمَّ تَنْزِل الْآيَة بِوَفْقِهِ . وَجَنَحَ آخَرُونَ إِلَى التَّرْجِيح فَقَالُوا يَتَرَجَّح حَدِيث اِبْن مَسْعُود بِأَنَّهُ حَكَى لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ زَيْد بْن أَرْقَم فَلَمْ يَحْكِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَرَادَ اِبْن مَسْعُود رُجُوعه الثَّانِي ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَهَّز إِلَى بَدْر .
وَفِي مُسْتَدْرَك الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : " بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيّ ثَمَانِينَ رَجُلًا " فَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي آخِره : " فَتَعَجَّلَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فَشَهِدَ بَدْرًا " وَفِي السِّيَر لِابْنِ إِسْحَاق أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّة ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّة وَحُبِسَ مِنْهُمْ سَبْعَة وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ رَجُلًا فَشَهِدُوا بَدْرًا ، فَعَلَى هَذَا كَانَ اِبْن مَسْعُود مِنْ هَؤُلَاءِ فَظَهَرَ أَنَّ اِجْتِمَاعه بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد رُجُوعه كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِلَى هَذَا الْجَمْع نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَلَمْ يَقِف مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامه عَلَى مُسْتَنَده ، وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْع رِوَايَة كُلْثُوم الْمُتَقَدِّمَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ اِبْن مَسْعُود وَزَيْد بْن أَرْقَم حَكَى أَنَّ النَّاسِخ قَوْله تَعَالَى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } اِنْتَهَى .
( فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام )
: قَوْله نُهِينَا عَنْ الْكَلَام لَيْسَ لِلْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا زَادَهُ الْمُؤَلِّف وَمُسْلِم ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدّه إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْله وَنُهِينَا @
الصفحة 228