كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

زِيَادَة وَهِيَ مَقْبُولَة وَالِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا " عَلَى عَدَم وُجُوب السَّلَام اِسْتِدْلَال غَيْر تَامّ لِأَنَّ الْآيَة مُجْمَلَة بَيَّنَ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا فِعْلُه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ عُمِلَ بِهَا وَحْدهَا لَمَا وَجَبَتْ الْقِرَاءَة وَلَا غَيْرهَا .
قَالَ أَصْحَاب السُّبُل : وَدَلَّ الْحَدِيث عَلَى وُجُوب التَّسْلِيم عَلَى الْيَمِين وَالْيَسَار وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَة ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّ الْوَاجِب تَسْلِيمَة وَاحِدَةٌ وَالثَّانِيَة مَسْنُونَة . قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء الَّذِينَ يُعْتَدّ بِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا تَسْلِيمَة وَاحِدَة فَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّم تِلْقَاء وَجْهه ، فَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينه وَالثَّانِيَة عَنْ يَسَاره : وَلَعَلَّ حُجَّة الشَّافِعِيّ حَدِيث عَائِشَة : " أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوْتَرَ بِتِسْع رَكَعَات لَمْ يَقْعُد إِلَّا فِي الثَّامِنَة فَيَحْمَد اللَّه وَيَذْكُرهُ وَيَدْعُو ثُمَّ يَنْهَض وَلَا يُسَلِّم ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَة فَيَجْلِس وَيَذْكُر اللَّه وَيَدْعُو ثُمَّ يُسَلِّم تَسْلِيمَة " أَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان وَإِسْنَاده عَنْ شَرْط مُسْلِم .
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُعَارِض حَدِيث الزِّيَادَة كَمَا عَرَفْت مِنْ قَبُول الزِّيَادَة إِذَا كَانَتْ مِنْ عَدْل .
وَعِنْد مَالِك أَنَّ الْمَسْنُون تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ . وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عَبْد الْبَرّ ضَعْف أَدِلَّة هَذَا الْقَوْل مِنْ الْأَحَادِيث . وَاسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّة عَلَى كِفَايَة التَّسْلِيمَة الْوَاحِدَة بِعَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة وَهُوَ عَمَلٌ تَوَارَثُوهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُول أَنَّ عَمَلهمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَام فِيهِ الْحَافِظ اِبْن الْقَيِّم فِي إِعْلَام الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبّ الْعَالَمِينَ بِمَا لَا يَزِيد عَلَيْهِ .
وَقَوْله عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله " أَيْ مُنْحَرِفًا إِلَى الْجِهَتَيْنِ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ خَدّه .@

الصفحة 298