كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)

الْأَيْدِي فِي التَّشَهُّد ، وَلَا يَحْتَجّ بِهَذَا مَنْ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْعِلْم هَذَا مَعْرُوف مَشْهُور لَا اِخْتِلَاف فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَكَانَ رَفْع الْأَيْدِي فِي أَوَّل التَّكْبِيرَة وَأَيْضًا تَكْبِيرَات صَلَاة الْعِيد مَنْهِيًّا عَنْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ رَفْعًا دُون رَفْع ، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيث مِسْعَر وَفِيهِ : " أَنْ يَضَع يَده عَلَى فَخِذه ثُمَّ يُسَلِّم " الْحَدِيث . قَالَ الْبُخَارِيّ : فَلْيَحْذَرْ أَمْره أَنْ يَتَقَوَّل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ ،
قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } اِنْتَهَى كَلَامُ الْبُخَارِيّ . وَقَالَ اِبْن حِبَّان : ذِكْر الْخَبَر الْمُقْتَضِي لِلْقِصَّةِ الْمُخْتَصَرَة الْمُتَقَدِّمَة بِأَنَّ الْقَوْم إِنَّمَا أُمِرُوا بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاة عَنْ الْإِشَارَة بِالتَّسْلِيمِ دُون الرَّفْع الثَّابِت عِنْد الرُّكُوع ثُمَّ رَوَاهُ كَنَحْوِ رِوَايَة مُسْلِم . وَقَالَ الْحَافِظ فِي التَّلْخِيص : وَلَا دَلِيل فِيهِ عَلَى مَنْع الرَّفْع عَلَى الْهَيْئَة الْمَخْصُوصَة فِي الْمَوْضِع الْمَخْصُوص وَهُوَ الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ لِأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيث طَوِيل اِنْتَهَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْب الرَّايَة : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُول إِنَّهُمَا حَدِيثَانِ لَا يُفَسَّر أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ كَمَا جَاءَ فِي لَفْظ الْحَدِيث " دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذْ النَّاس رَافِعُو أَيْدِيهمْ فِي الصَّلَاة فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَاب خَيْل شُمْس اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاة " وَاَلَّذِي يَرْفَع يَدَيْهِ حَالَ التَّسْلِيم لَا يُقَال لَهُ اُسْكُنْ فِي الصَّلَاة إِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ لِمَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ أَثْنَاء الصَّلَاة وَهُوَ حَالَة الرُّكُوع وَالسُّجُود وَنَحْو ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر ، وَالرَّاوِي هَذَا فِي وَقْت آخَر كَمَا شَاهَدَهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بُعْدٌ اِنْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ .
قُلْت : الْعَجَب كُلّ الْعَجَب مِنْ الْإِمَام جَمَال الدِّين الزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ كَيْف قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَة وَلَوْ قَالَ غَيْره كَالطَّحَاوِيِّ وَالْعَيْنِيّ وَأَمْثَالهمَا لَا يُعْجَب مِنْهُمْ إِنَّمَا مِنْهُ لِأَنَّهُ مُحَدِّثٌ كَبِيرٌ مِنْ أَهْل الْإِنْصَاف ، وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ مَذَاقٌ فِي الْعِلْم فَسَاد بَيَانه ، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا لَيْسَا بِحَدِيثَيْنِ بَلْ هُمَا حَدِيث وَاحِد يُفَسَّر أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَالرَّاوِي وَاحِد وَهُوَ جَابِر بْن سَمُرَة وَالْمَتْن وَاحِد .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ .@

الصفحة 301