كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَانَ بِمَكَّة مُتَقَدِّمًا عَلَى حَدِيث الْبَاب بِأَعْوَامٍ وَالْمُتَقَدِّم لَا يَنْسَخ الْمُتَأَخِّر ، وَبِأَنَّ حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود أَيْضًا عُمُومِيَّانِ ، وَهَذَا الْحَدِيث خَاصّ بِمَنْ تَكَلَّمَ ظَانًّا لِتَمَامِ صَلَاته فَيَخُصّ بِهِ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، فَتَجْتَمِع الْأَدِلَّة مِنْ غَيْر إِبْطَال لِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَيَدُلّ الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ الْكَلَام عَمْدًا لِإِصْلَاحِ الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا كَمَا فِي كَلَام ذِي الْيَدَيْنِ . وَفِي رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ فَقَالُوا : وَفِي رِوَايَة الْمُؤَلِّف كَمَا سَيَأْتِي فَيُقَال يُرِيد الصَّحَابَة نَعَمْ فَإِنَّهُ كَلَامٌ عَمْدٌ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاة .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّ الْإِمَام إِذَا تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الِاسْتِفْسَار وَالسُّؤَال عِنْد الشَّكّ ، وَإِجَابَة الْمَأْمُوم أَنَّ الصَّلَاة لَا تَفْسُدُ . وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ مُعْتَقِدًا لِلتَّمَامِ ، وَتَكَلَّمَ الصَّحَابَة مُعْتَقِدِينَ لِلنَّسْخِ ، وَظَنُّوا حِينَئِذٍ التَّمَامَ . قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَمِير الْيَمَانِي : وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَزْم بِاعْتِقَادِهِمْ التَّمَام مَحَلّ نَظَر بَلْ فِيهِمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْن الْقَصْر وَالنِّسْيَان وَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ نَعَمْ سَرَعَان النَّاس اِعْتَقَدُوا الْقَصْر وَلَا يَلْزَم اِعْتِقَاد الْجَمِيع ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا عُذْر عَنْ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ لِمَنْ يَتَّفِق لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ .
وَمَا أَحْسَن كَلَام صَاحِب الْمَنَار ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَام الْمَهْدِيّ وَدَعْوَاهُ نَسْخه كَمَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ رَدَّهُ بِمَا رَدَدْنَاهُ ثُمَّ قَالَ : وَأَنَا أَقُول أَرْجُو اللَّه لِلْعَبْدِ إِذَا لَقِيَ اللَّه عَامِلًا لِذَلِكَ وَيُثَاب عَلَى الْعَمَل بِهِ ، وَأَخَاف عَلَى الْمُتَكَلِّفِينَ وَعَلَى الْمُجْبِرِينَ عَلَى الْخُرُوج مِنْ الصَّلَاة لِلِاسْتِئْنَافِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَحْوَط كَمَا تَرَى لِأَنَّ الْخُرُوج بِغَيْرِ دَلِيل مَمْنُوع وَإِبْطَالٌ لِلْعَمَلِ .@
الصفحة 314