كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود (ط. المكبتة السلفية) (اسم الجزء: 3)
حَدِيث اِبْن مَسْعُود . فَأَمَّا مَذْهَب الشَّافِعِيّ فَعَلَى الْجَمْع بَيْن الْأَخْبَار وَرَدّ الْمُجْمَل مِنْهَا عَلَى الْمُفَسَّر وَالتَّفْسِير إِنَّمَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام " فَلْيُلْقِ الشَّكّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِين " وَقَوْله " إِذَا لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَة وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس قَبْل السَّلَام " وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام " فَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَة الَّتِي صَلَّاهَا خَامِسَة شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَة فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيم الشَّيْطَان " قَالَ وَهَذَا فُصُول فِي الزِّيَادَات حَفِظَهَا أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ لَمْ يَحْفَظهَا غَيْره مِنْ الصَّحَابَة ، وَقَبُول الزِّيَادَات وَاجِب فَكَانَ الْمَصِير إِلَى حَدِيثه أَوْلَى .
وَمَعْنَى التَّحَرِّي الْمَذْكُور فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد الشَّافِعِيّ هُوَ الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين عَلَى مَا جَاءَ تَفْسِيره فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ . وَحَقِيقَة التَّحَرِّي هُوَ طَلَب إِحْدَى الْأَمْرَيْنِ ، وَأَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ وَأَحْرَاهُمَا مَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مِنْ الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَال الصَّلَاة وَالِاحْتِيَاط لَهَا . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّحَرِّي قَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْيَقِين قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } وَأَمَّا حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ وَسُجُوده فِيهَا بَعْد التَّسْلِيم فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى السَّهْو فِي مَذْهَبهمْ لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاة قَدْ نُسِبَتْ إِلَى السَّهْو فِي مَذْهَبهمْ فَجَرَى حُكْم أَحَدهمَا عَلَى مُشَاكَلَة حُكْم مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ مَنْسُوخ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : كُلٌّ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّ تَقْدِيم السُّجُود قَبْل السَّلَام أَحْرَى الْأَمْرَيْنِ .
وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيث أَبِي سَعِيد قَوْم زَعَمُوا أَنَّ مَالِكًا أَرْسَلَهُ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيّ . قَالَ الشَّيْخ : وَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدَح فِي صِحَّته وَمَعْلُوم عَنْ مَالِك أَنَّهُ يُرْسِل الْأَحَادِيث وَهِيَ عِنْده مُسْنَده وَذَلِكَ مَعْرُوف مِنْ عَادَته ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق اِبْن عَجْلَان عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَذَكَرَ أَنَّ هِشَام بْن سَعِيد أَسْنَدَهُ فَبَلَغَ بِهِ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيّ : قَالَ الشَّيْخ :@
الصفحة 335